زمان جديد
إختفاء المركز الثقافي العراقي بباريس
افراح شوقي
حفل باذخ وحضور رسمي وأكاديمي وإعلامي كبير، نصبت الطاولات وجهزت بقماشها الأحمر وسط حديقة بيت السفير العراقي في أهم أحياء باريس الثرية، رفعت أعلام البلدين، فرنسا والعراق، ليشهد الجميع ومعهم قنوات إعلامية حدثًا طال انتظاره، إنه حفل إعادة افتتاح المركز الثقافي العراقي في باريس من جديد. بعد توقف دام سنوات بسبب فساد وازمات مالية، خطب الافتتاح القيت وجلس الرؤساء لتوقيع مذكرات اتفاقيات التعاون، يرافقها تصفيق وفرحة عارمة من الحضور.
الكثير من الفنانين والادباء المغتربين وقتها حملوا مشاريعهم وافكارهم وامنياتهم لانجاح هذا الحدث وكنت واحدة منهم، اتذكر اني سألت وقتها وزير الثقافة آنذاك الذي حضر من بغداد لقص شريط الافتتاح عن مكان المركز تحديدا وبرنامجه القادم ومديره وكادره، الخ من التفاصيل ، وكانت الاجابات جاهزة ودبلوماسية مثلا «كل شي ترتب وجهز وهناك برامج كبيرة وضعت وكادر ثقافي واعلامي مختص، والاهم هو الاصرار على النجاح!«.
لكن الحقيقة يا اخوان ، وبعد مرور اكثر من عام على هذا الحدث، لم نشهد رائحة ذلك المركز، ولم نسمع عن اي فعالية نظمت، ولا اي برنامج ثقافي ولايزال مقره مجهولا وبلا ادارة حقيقية!، واتضحت للاسف شكوك البعض، بأن الافتتاح كان صوريا فقط، نعم افتتاح شكلي، او بمعنى اصح مجرد خطوة دعائية لاستثمار الملف الثقافي في مرحلة سياسية كانت تقترب من الانتخابات ليبدو كأنه العصر الذهبي للثقافة العراقية، والدليل تلك الوليمة العامرة التي نصبت وقتها وتضمنت أنواع الاطباق العراقية وخصوصا الدولمة الحامضة اللاجعة التي غطت رائحتها على كل الاكلات بلا منازع!
لكن ماذا بشأن الاتفاقيات والبروتوكولات التي وقعت؟ وماذا بشان حضور اسم العراق في محافل ادبية وثقافية كبيرة تقيمها باريس بين الحين والاخر؟ وماذا بشأن احلام الادباء وبرامجهم؟
لن يجيبك احد، فتلك حقبة انتهت، والجميع سيتبرا منها ، ومن تكاليفها المالية ايضا وربما سيعلل الحال بأنه ازمة مالية او مشاكل ادارية الخ كما يحصل عادة، والبلد غارق بمشاكله منذ الازل، وكم من خسارات حصلت بسبب هذا الاهمال والتأخير. في المقابل ، هناك نافذة امل مشرقة يقودها شباب عراقيون ، ليس لديهم اي دعم ، فقط احلامهم بالحفاظ على الارث الثقافي والمادي للعراق، وعلى ابراز المواهب العراقية، اسسوا منظمة» ارث العراق»، يقودها شاب عراقي من اصل اكاديمي وثقافي وهو حفيد الشاعر والاديب والدبلوماسي السابق شاذل طاقة، حمل اسمه نفسه ، وبدا كانه امتداد ثقافي مهم لمسيرة جده.
خلال عام واكثر نجح شاذل ومن معه من الاصدقاء المؤسسين بتنظيم برامج ثقافية وندوات ومعارض وجلسات نقدية مهمة تدور في فلك الثقافة والارث العراقي الثري وطرحها امام جمهور متحمس لهكذا نوع من الفعاليات، نشاطات حضرت بعضها وفرحت لمستوى التنظيم والجمال والذائقة في اختيار التفاصيل العراقية البسيطة والمهمة وكذلك الحضور الذي جسد رابطة حيوية تجمع بين المغتربين من كل الدول العربية والاجنبية وليس فقط العراقيين انه نشاط وزارة كاملة، قلت له : انت تقوم بنشاط مركز ثقافي حكومي رصين وربما افضل منه، بلا ميزانيات ضخمة او دعايات اعلامية!
هل هناك من يصفق له ؟ ومن يستفيد من حماسة فريق العمل وخبراته ليوسع دائرة الابداع والحضور الثقافي الحقيقي في عاصمة النور؟
ربما لا يحتاج العراق إلى مركز ثقافي جديد بقدر ما يحتاج إلى إرادة ثقافية حقيقية، إرادة لا تبدأ بحفل افتتاح وتنتهي بإطفاء الأضواء، بل تبدأ من الناس وتستمر بهم.