الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صرخة الإحتجاج والرفض في مسرحية دخّان

بواسطة azzaman

رؤية عميقة لصراع الإنسان بوجه قبح الدنيا

صرخة الإحتجاج والرفض في مسرحية دخّان

حيدر علي الاسدي

 

مسرحية مونو دراما (دخان) تأليف وتمثيل احمد عباس، اضاءة الفنان محمد حمودي، اخراج علي عدنان التويجري، اشراف عام عامر صباح المرزوك وتقديم نقابة الفنانين العراقيين فرع بابل، وقد مثّلت العراق في مهرجان المونودراما المسرحي الرابع في الأردن (المقام ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون) كما عُرضت سابقاً ضمن فعاليات المهرجان المسرحي البابلي السادس على مسرح كلية الفنون الجميلة في جامعة بابل، وسنفتتح القراءة بالعتبة الموازية الأولى عتبة العنوان فهو هوية النص ومفتاح الدلالة وبهاء المضمون (دخان) في دلالة اللغة العربية يحول المضمون الى نكرة أي مطلق وشمولي لا محدد بمصدر معين ودلالة التهويل والغموض والضياع (تيه وتشتت) والضبابية بالمشهد وهيمنة الأوهام والاخطار والدوامة التي لا تدرك معها (مصدر هذا الدخان) او حدود نهايته.

 في هذه المسرحية تم طرح رؤية عميقة لصراع الانسان وصرخته الثائرة بوجه قبح الدنيا واذرعها (الفساد/الظلم/ ضياع القيم/ سلطة المال) بمفهوم (آرثر شوبنهاور) الذي يرى أن الألم هو الأصل والقاعدة في هذا العالم، وأن السعادة مجرد لحظات عابرة لتسكين الوجع، فان الألم كان لصيقًا بهذا الانسان (الشخصية الوحيدة في المونو دراما/ الممثل المبدع والمقتدر احمد عباس) وهو يجري صراعه الخاص (الداخلي) بسيكولوجية يثير معها حرائق الأسئلة بهذا الوجود الذي يتجاذبه البعد الرمزي للدخان والنظرية العملية البصرية لهذا الدخان بوصفه علامة سيمائية مركبة تعمق من المستوى النفسي والوجودي وحتى السياسي، بما يشتمل من رمزية للأوهام التي طفت في العديد من حوارات النص المقدم للإخراج مع غياب لليقينيات والانتظار السلبي العبثي المضطرب فتتوالد الاتصالية ما بين (موضوعي مأزوم في الخارج/ ونكوص لذات مضمرة لا تحتمل كل هذا الضغط) تتنامي فيها مفاهيم القبح والازمة والعزلة والتيه، تتجاذب كل ذلك انفعالات الصراع الداخلي (انا / انت) (انت/ انا) يبرع خلالها الممثل الرائد (احمد عباس) بتجسيد كل الأصوات (داخله/ مناوئة لذاته في الخارج الموضوعي) عبر التلاعب بطبقاته الصوتية التي تتسق هرمونيًا (وتعددية الأصوات وتشظيها) في المونودراما، فقط استطاع ان يطوع قدراته بتغيير طبقاته الصوتية وفقا لتعددية تلك الأصوات الحوارية المتوارية وما تمثله من صراعات سيكولوجية وتعبيره عن مشاعره الداخلية المنثالة عبر الافتراض والاستدعاء والتمزق والتماسك، فعبرت طبقاته الصوتية عن (حالات/ تعددية الأصوات) (الصعود/ الانخفاض/ الخوف/ الحماس/ الهستيريا....الخ) ليعكس لنا بذلك كل حالات الأصوات المتجسدة والمنصهرة في مضمرات شخصيته الأحادية ، حتى في علاقته بمنظومة سينوغرافيا العرض مع قلتها.

المؤلف هنا اثار العديد من الأسئلة انه عرض الأسئلة بامتياز : (الوحيد الذي يمتلك نفسه (الانسان) طبعا باستثناء الحكومة التي تملكنا ، باستثناء المجتمع ، وعائلتي هي استثناء أيضا ، ورب العمل هو استثناء أيضا) اذن هي رؤية ضدية لفكرة مفادها : (امتلاك الانسان لنفسه هو الاستثناء) كل هذه الاعتراضية الناقمة واضحة لنقد أزمات الانسان في هذا العالم المتناقض في كل شيء ، وعبر هذا الانتقاد تتجسد ضرورات ثنائية في متن الفكرة الفلسفية المطروحة في نص العرض المسرحي ومنها ثنائية (الحقيقة/الوهم) (اتصالية الواحد والكثرة) (الذات/ الموضوع)، والمخرج في هذا العرض باقتصاده بتأثيث جغرافية الخشبة انما بنى فلسفته على الأحادية التي ينطلق منها صوت الممثل (المنطلق من الخاص/للعام) لأنه يتبنى وجهة نظر الانسان المهمش (المهشم) في هذه الحياة وصوته المنتفض إزاء هذا الفضاء الرحب والمزدوج والمليء بالسوداوية (مكان معادي/ دستوبي مرعب بالنسبة لذات الانسان الباحث عن حريته وعدالته) اذ ان تحولات المفردة الديكورية (الكرة الصفراء) فتجدها أحيانا يكمن بعدها الدلالي بالتحول سيكولوجيًا واحيانا ذات دلالة توحي بانها جزء من المكون المادي لهذا الوجود سواء بميزتها الخاصة او مدلولها الرمزي الأكبر(الدنيا) بما فيها من (رابط قهري/ سلسلة) ورمزية الارتباط القهري او الجبرية السلطوية القهرية لهذه العلاقة، اذ تمثل علامة سيمائية تعبيرية عن الهشاشة والتدوير بالفعل والسلوك (النسخ للازمات) ورغبات الانسان الزائفة، من خلال العلاقة التواصلية الوشيجة للبطل (الانسان بما يمثله كنموذج) مع المفردة الديكورية بما تمثله كإحالة سيمائية دلالية وبما يشتمل اللون الأصفر على المخاطر والقلق والاضطراب كعلامة بصرية تتصل بالشخصية المتوجسة القلقة والهواجس الراسخة والثنائيات الضدية في هذه الحياة، مع استمرار سخرية ونقد الممثل الرئيسي (احمد عباس) لمفاهيم الاستهلاك المعاصر لحياة الانسان من خلال (سيلفي/ دليفري) فهو يقول:  (كل شيء في الحياة صار دليفري، السعادة اصبحت دليفري والحب صار دليفري حتى الموت اصبح دليفري) وهي إحالة نقدية الى (استيراد الأفكار) وهيمنة النزعة الاستهلاكية على كل مظاهر الحياة حتى العاطفية منها.

 والمؤلف يقدم انسانه في هذا العرض مأزوم ويعاني الويلات وسط دائرة من الخراب والفوضى والقبحيات حتى يفقد ابسط مقومات حياته : (لم اترك دائرة الا وقدمت أوراقي لغرض التعيين وفي كل مرة يأخذني احد الى جنب ليقول لي هل لديك حتى تدفع) لتتبنى الشخصية في هذا العرض صرخة الانسان في واقعنا من خلال اعتراضية محرضة على ديمومة هذه الازمات والمظالم التي تحيط بالفرد العراقي الذي لابد ان يصرخ بـ (لا لا ) ليتصاعد الصوت الدرامي مع الاضاءة ببراعة احمد عباس ( هل لديك...لا) والتصاعد اللوني المنسجم مع سيكولوجية حالة الشخصية وهي تحمل بجعبتها حرائق الأسئلة المتوالدة ، وتصاعد الدخان/موازي للأوهام في فاعلية العرض المسرحي كدلالة بصرية ولغوية والتي تنمي من انقسام الانسان على قلق وهاجس ثنائيات لا تجتمع (فجور/تقوى) ثنائية أخرى داخل ذات الفرد تفضي الى المزيد من حرائق الأسئلة (ماذا) أسئلة جادة وعميقة في فلسفة الوجود بالحياة ، وهذه الكرة التي يتعلق بها بطل العرض هي الدنيا بيننا : (الدنيا سراب صحراء نلهث وراءه ولا نحصد سوى المزيد من العطش) هي (قدر ومحطة انتظار مسافر لا يملك فيها سوى الصبر حتى تأتي حافلته) وفي ذلك الانتظار ثمة أسئلة لابد منها لهذا الانسان/ وذلك الاخر الذي يمثل هيمنة القبح في وجه الحياة :  (لما يملك كل شيء وانا لا املك أي شيء؟) (عاريا/ يلبس افخر الثياب!) (الجوع/ الثراء) (وهل اصبح الشرف عارًا/ الشرف/العار) (الجشع) ليتحول النداء الى الرب لكي يرحم (البذور التي في اصلابنا) من ان اجل ان (يولد انسان يعرف رب الانسان ويعيش بشرف الانسان) فلا حلول بشرية في الأفق سوى التوجه الى الحلول الميتافيزيقية الروحانية والقدرة الإلهية على احداث التغيير في هذا العالم، مع الاستعانة التقنية بالشاشة من خلال الخلفية (لما يمر به الانسان من أزمات في العالم)، وتذكرني هذه المسرحية بمقولة دوستويفسكي التي ذكر فيها بان «الإنسان يحتاج إلى المعاناة، لأنها جزء من الحياة، ودونها لن يكون هناك نمو أو فهم حقيقي للحياة». فقد كتبت المعاناة على الانسان في هذا الوجود كما كتبت عليه الحياة وهي متلازمة له ولكن صرخة الاحتجاج كانت صرخة رافضة لفقدان العدالة في هذه الحياة وهي صرخة مطالبة بالإنصاف والمزيد من العدالة بين بني البشر.

ان هذا العرض اثبت لنا ان المسرح هو اداة تغيير فاعلة وصرخة احتجاج بوجه الفساد بأشكاله كافة ومحاولة لتفكيك السلطة الزائفة من خلال الوعي والضمير والكلمة، فقد اشتمل العرض المسرحي (دخان) على الوظيفة التحريضية من خلال المجابهة بالأسئلة الجادة والجوهرية وفضح السلوكيات الخاطئة للأنظمة الاجتماعية والسياسية والادارية بغية تحقيق مفهوم الاحتجاج والرفض على كل تلك السلوكيات الراكزة في بنية المجتمعات المعاصرة، كل التوفيق لمؤلف وممثل العمل الرائد المسرحي المتميز (احمد عباس) ولمخرج العمل الفنان المبدع علي عدنان التويجري وهما يوثقان لهم الانسان المعاصر في محاولة لتحريك الوعي من اجل تصحيح المسار في خضم كل هذه التناقضات اليومية التي تتزاحم على الانسان وتطوقه من كل جوانب وفي وجوه وصور متعددة.

 

               *ناقد واكاديمي


مشاهدات 30
الكاتب حيدر علي الاسدي
أضيف 2026/08/05 - 2:13 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 11:24 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1160 الشهر 5657 الكلي 16095361
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير