الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أبي والنزاهة الإغريقية

بواسطة azzaman

أبي والنزاهة الإغريقية

نعيم عبد مهلهل

 

في تعريف الإغريق للنزاهة أنها «نزهة الروح مطمئنة في الحياة والذكريات، وأكثر ما فعلت أنها عملت بإخلاص، ولا ظلمت ولا سرقت ولا حسدت ولا كرهت، بل إنها من فرط حبها لعملها عشقت»، فيما الفلسفة الإغريقية تقول إن النزاهة تبدأ من العقل وتنتهي بالأصابع، والأصابع لا ترتجف وتسرق وتكتب شرائع ظالمة إلا إذا فسد عقلها. ومأثورٌ عند العرب قولٌ: من يفسد عقله تنبذه قبيلته وعقله، لأنه سيكون تواقاً لفعل المعاصي.

أتذكر أبي حين تعيّن فلاحاً في متنزه الناصرية براتب تسعة دنانير عام 1971. كنت أشاهد الناس تقطع الورد من المشاتل في المتنزه فيمنعها، وحين أخبره: هم يقطعون حين تبتعد عن الحقل، فيرد: كل الذي أمام عيني أنا مؤتمن عليه.أبي مؤتمن على وردة، وأشعر لو أنهم وضعوه على خزائن البلاد وقتها لما جعل فلساً يذهب في غير موضعه.بين الإغريق وأبي والمال العام المبعثر في الحقول مدفوناً أو مخبأً في السنادين أو المهرّب عبر بوابات الـ VIP، أكتب بمرارة وأنا أتذكر بمرارة وحنين الناس إلى العانة والفلس والدرهم، فأتذكر أغنية صديقة الملاية: «الأفندي.. الأفندي.. عيوني الأفندي.. الله يخلي صبري صندوق أمين البصرة».صبري الذي لم يفرّط بفلس واحد مما اؤتمن عليه. وأشعر أن ثلاثة في حياتي هم معيار النزاهة الحقيقي: سقراط الذي يدرك أن نزاهة العقل تجعل الدنيا نظيفة جداً، وأبي الذي حافظ على الورد لأنه أمانة من البلدية لديه، وصبري الذي أبقى الفلس أميناً في الصندقجة ولم يتركه يذهب إلى غير تبويبه في الخزينة.والآن الخزائن في الهواء الطلق، يفتحها الحاشية قبل الوالي، ويطبعون قوائم وهمية بمكافآت وإيفادات ومزايدات، ثم هم أنفسهم زرافات يذهبون إلى سجادات الصلاة. ويحرصون أن يتوضؤوا بمياه القناني المعدنية لأنهم يشعرون أن ماء النهر صار مكبّاً لمياه المجاري ولا يصلح التوضؤ به.بين النزاهة الإغريقية ونزاهة أدعياء الوطنية ستُكشف الكثير من الضمائر النقية في كل شرائح المجتمع. هؤلاء هم رصيد الشرف الذي سيقاضي يوماً ما جميع اللصوص الذين يعرفون وبدراية عجيبة أسعار الفنادق والفلل وسيارات التاهو، ولا يعرفون من هو سقراط وتولستوي وجان جاك روسو والجاحظ. وأعرف أحدهم سأل متنفذاً: لماذا تشتري ساعة الرولكس؟ هل أنت من محبي الموضة والأناقة؟ فأجاب: يا أناقة! هي اليوم بـ 300 ألف دولار، وغداً يكون سعرها 500 ألف دولار.هذا يعني أن اللصوصية علمتهم أن يكونوا خبراء وفنانين في قراءة العولمة وتسعيرة أشيائها، وبالرغم من هذا إذا أذّن المؤذن قاموا أفواجاً جماعات ومريدين وتوضؤوا بمياه العبوات المعدنية.هذا وطني، أنظر إلى ملامحه ودمعته وحيرته وأمله بأن يأتي المنقذ والمخلّص، أنظر إليه وفي غفلة من أبي أتجرأ وأقطع وردة من حقل البلدية وأهديها إلى هذا الوطن المسكين، وأسمع سقراط يناديني من هناك: وأنا أيضاً أهدِني وردة.

 

 

 


مشاهدات 47
الكاتب نعيم عبد مهلهل
أضيف 2026/07/25 - 2:25 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 3:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 240 الشهر 26820 الكلي 15931947
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير