الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل يمكن تحويل مشروع طريق التنمية إلى بوّابة نحو البريكس؟

بواسطة azzaman

هل يمكن تحويل مشروع طريق التنمية إلى بوّابة نحو البريكس؟

جواهر إبراهيم الفضلي

 

في مرحلة دولية تتسارع فيها التحولات الجيوسياسية والاقتصادية نحو إعادة تشكيل مراكز القوة وصعود أنماط متعددة الأقطاب، لم يعد موقع الدول يقاس فقط بقدراتها التقليدية بل بقدرتها على الاندماج داخل شبكات الاقتصاد العالمي الجديدة، وفي هذا السياق يبرز العراق أمام لحظة استراتيجية فارقة يمكن أن تعيد رسم موقعه من دولة تعتمد بالأساس على الاقتصاد الريعي إلى فاعل جيو–اقتصادي يمتلك أدوات تأثير تتجاوز حدوده الوطنية.

ويأتي مشروع “طريق التنمية” بوصفه أحد أكثر المشاريع طموحًا في البنية التحتية الإقليمية خلال العقد الأخير ليس فقط باعتباره ممرًا للنقل أو التجارة، بل باعتباره رؤية استراتيجية لإعادة تموضع العراق داخل الخريطة الاقتصادية الدولية ومن هنا، يتجاوز المشروع بعده التنموي الداخلي ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا واتصالًا بالسياسة الخارجية العراقية هل يمكن أن يتحول “طريق التنمية” إلى بوابة استراتيجية تُدخل العراق ضمن الفضاء الاقتصادي المتصاعد لمجموعة البريكس وتمنحه موقعًا أكثر فاعلــــــــــية داخل النظام الاقتصادي العالمي الجديد؟

تحويل مشروع

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقبل الحسم المطلق. لكنها تفتح مجالًا واسعًا لقراءة احتمالية واقعية مرهونة بمدى قدرة العراق على تحويل المشروع من رؤية إلى إنجاز فعلي، ومن بنية تحتية إلى أداة نفوذ اقتصادي، ويتطلب ذلك بيئة سياسية مستقرة وإدارة تنفيذية فعالة، ودبلوماسية اقتصادية نشطة تجعل من العراق ليس مجرد ممر جغرافي بين الشرق والغرب، بل نقطة ارتكاز داخل شبكات الاقتصاد العالمي الجديدة.

وفي هذا السياق، يبرز العراق أمام لحظة استراتيجية فارقة يمكن أن تعيد رسم موقعه من دولة تعتمد بالأساس على الاقتصاد الريعي إلى فاعل جيو–اقتصادي يمتلك أدوات تأثير تتجاوز حدوده الوطنية. ويأتي مشروع “طريق التنمية” (المعروف سابقًا بالقناة الجافة) بوصفه أحد أضخم مشاريع البنية التحتية في المنطقة، بتكلفة تقدر ما بين 17–24 مليار دولار، إذ يقوم على إنشاء ممر نقل بري وسككي يمتد قرابة 1200 كم يربط ميناء الفاو الكبير في البصرة جنوبًا بمنفذ فيشخابور على الحدود التركية شمالًا، ومنه إلى أوروبا عبر الشبكة التركية ويهدف المشروع إلى إحداث تحول في خريطة التجارة الإقليمية عبر تقليص زمن نقل البضائع بين آسيا والخليج وأوروبا من نحو 30–40 يومًا بحريًا عبر قناة السويس إلى ما يقارب 10–15 يومًا براً، ما يجعله في موقع تنافسي جزئي مع الممرات البحرية التقليدية وفي الوقت نفسه مكملًا لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية وعلى مستوى التقدم التنفيذي يشهد المشروع تقدمًا ملحوظًا خصوصًا في ميناء الفاو الكبير الذي تجاوزت بعض مراحله نسبة إنجاز تقارب 90بالمئة، مع خطط لتشغيل أولي بحلول 2026 بطاقة مبدئية تبلغ نحو 3.5 ملايين حاوية سنويًا قابلة للارتفاع إلى 25 مليون حاوية في المراحل اللاحقة بالتوازي مع بدء أعمال استملاك الأراضي والتصاميم الأولية، وبتمويل مشترك من الموازنة العراقية إلى جانب شراكات واستثمارات إقليمية تشمل قطر والامارات وتركيا.

ويكتسب مشروع “طريق التنمية” بعدًا جيو-اقتصاديًا متصاعدًا عند ربطه بتجمع “بريكس”، الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، إضافة إلى دول صاعدة مثل مصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات وغيرها، بوصفه تكتلًا اقتصاديًا يسعى إلى تعزيز التعاون بين دول الجنوب وتوسيع مسارات التنمية، وتقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي والدولار ومن هذا المنظور يمكن أن يتحول المشروع إلى نقطة تقاطع مع هذا التكتل عبر علاقاته المباشرة مع عدد من أعضائه وفي مقدمتهم الإمارات العربية المتحدة كشريك استثماري وتمويلي مهم وعضو في بريكس، وكذلك الصين التي تنظر إلى المشروع باعتباره مكملًا محتملًا لمبادرة الحزام والطريق فضلاً عن إمكان فتح قنوات غير مباشرة مع إيران وروسيا وتركيا بوصفها أطرافًا ذات تقاطعات متزايدة مع ديناميات بريكس.

وإذا ما تحقق نجاح فعلي في تنفيذ المشروع، فإنه قد يعيد تشكيل موقع العراق الاقتصادي من خلال تحويله إلى مركز لوجستي إقليمي وعالمي قادر على استقطاب استثمارات قد تتجاوز 100 مليار دولار بما يسهم في تقليل الاعتماد على النفط الذي يشكل نحو 90–95بالمئة من إيرادات الدولة، وبما ينسجم مع توجهات بريكس في دعم التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة، وبهذا المعنى لا يقتصر “طريق التنمية” على كونه مشروع بنية تحتية بل يمكن أن يعيد تموضع العراق جيوسياسيًا بوصفه جسرًا يربط الخليج بآسيا وأوروبا ويمنحه وزنًا متزايدًا داخل النظام الدولي متعدد الأقطاب وربما يجعله في بعض القراءات بوابة محتملة لامتداد نفوذ بريكس نحو أوروبا عبر الأراضي العراقية.

خلافات سياسية

وفي المقابل لا يمكن فصل هذا الطموح عن مجموعة من التحديات الواقعية التي قد تحد من سرعة تحوله إلى مشروع جيو-اقتصادي فاعل إذ يواجه داخليًا إشكالات تتعلق باحتمالات الفساد، والخلافات السياسية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان بشأن مسارات المشروع، فضلًا عن تحديات الأمن على امتداد الطريق، والبيروقراطية الإدارية التي قد تبطئ التنفيذ وهو ما يجعل الاستقرار السياسي والإصلاح المؤسسي شرطين أساسيين لإنجاحه أما إقليميًا ودوليًا، فيبرز عامل المنافسة مع مشروع الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) المدعوم أمريكيًا إلى جانب احتمالات التوتر مع بعض الجوار الإقليمي، وإمكانية تعرض المشروع لضغوط سياسية غربية مرتبطة بإعادة تشكيل خرائط النفوذ الاقتصادي وعلى مستوى العلاقة مع “بريكس” نفسه فإن الانضمام إلى هذا التكتل لا يتم تلقائيًا بل يتطلب توافقًا بين الأعضاء وإصلاحات اقتصادية وسياسية داخلية وهو ما يعني أن فرص العراق الحالية تبقى محدودة نسبيًا، لكنها قابلة للتحسن بشكل ملموس إذا نجح مشروع “طريق التنمية” في تعزيز موقعه الجيو-اقتصادي وترسيخ استقراره السياسي.

وفي المحصلة لا يُنظر إلى مشروع “طريق التنمية” بوصفه مجرد بنية تحتية للنقل أو الموانئ، بل باعتباره رؤية استراتيجية لإعادة تموضع العراق بوصفه جسرًا تاريخيًا للتجارة والحضارات فنجاح المشروع لا سيما مع التقدم في إنجاز ميناء الفاو الكبير وجذب استثمارات ذات صلة بتكتلات كبرى مثل “بريكس”، يمكن أن يفتح أمام العراق أفقًا أوسع للاندماج في الاقتصاد العالمي، ويعزز مسار التنويع الاقتصادي، ويوفر فرصًا تنموية واسعة تسهم في تخفيف الاعتماد على النفط ورفع مستوى الاندماج في الاقتصاد الإقليمي والدولي غير أن هذا الأفق يبقى مرهونًا بمعادلة واضحة قوامها الإرادة السياسية، وجودة الشراكات، وحسن التنفيذ إذ يجد العراق نفسه اليوم أمام خيار استراتيجي حاسم، إما الاستمرار في دائرة الاقتصاد الريعي والأزمات البنيوية، أو التحول نحو موقع جيو-اقتصادي فاعل داخل نظام دولي متعدد الأقطاب يتشكل بوتيرة متسارعة، بما يضمن له دورًا أكثر تأثيرًا في حركة التجارة والاستثمار والتنمية خلال العقود المقبلة.

  ماجستير في الدراسات الدولية

 


مشاهدات 83
الكاتب جواهر إبراهيم الفضلي
أضيف 2026/07/20 - 3:51 PM
آخر تحديث 2026/07/21 - 2:30 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 729 الشهر 22730 الكلي 15927857
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير