الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المدارس العسكرية في العهد العثماني.. ضباط الجيش يسهمون ببناء العراق الحديث

بواسطة azzaman

المدارس العسكرية في العهد العثماني.. ضباط الجيش يسهمون ببناء العراق الحديث

جواد الرميثي

 

لم يكن الضابط في الجيش العثماني يصل إلى رتبته العسكرية عبر طريق واحد ، بل كانت أمامه مساران مختلفان يعكسان طبيعة المؤسسة العسكرية في أواخر الدولة العثمانية . فبين ضابط صعد من صفوف الجنود بفضل الخبرة الميدانية ، وآخر تلقى تعليمه في مدارس عسكرية حديثة ، تشكلت نخبة عسكرية كان لها دور بارز في تاريخ العراق الحديث ، سواء في الجيش أو الإدارة أو الحياة السياسية .

مساران لإعداد الضباط

اعتمد الجيش العثماني نظامين لإعداد ضباطه: الأول عرف بـ»الإي لي»، وهم الضباط الذين بدأوا خدمتهم جنوداً عاديين ، ثم تدرجوا إلى ضباط صف ونواب ضباط قبل أن يحصلوا على رتبة ضابط . امتاز هؤلاء بالشجاعة والخبرة العملية ، إلا أن مستواهم الثقافي كان محدوداً ، الأمر الذي أدى إلى تراجع أعدادهم تدريجياً مع توسع التعليم العسكري النظامي .

أما المسار الثاني فكان يعرف بـ»مكتب لي»، ويضم خريجي المدارس العسكرية النظامية ، وفي مقدمتها المدرسة الحربية في إسطنبول . وتميز هؤلاء بمستوى علمي وثقافي مرتفع ، وأصبحوا يشكلون النسبة الأكبر من ضباط الجيش مع مرور الزمن .

البداية من المدرسة الرشدية العسكرية

بدأ إعداد الضباط في العراق من المدرسة الرشدية العسكرية التي افتتحت في بغداد خلال ولاية مدحت باشا ، ثم أنشئت مدرسة مماثلة في السليمانية عام 1893.

كانت المدرسة تستقبل خريجي المدارس الأولية ، أو من يجيدون القراءة والكتابة وقراءة القرآن ، مع الإلمام باللغة التركية والحساب . أما الذين لا يجيدون التركية فكانوا يدرسون في صف تمهيدي يعرف بـ»الاحتياط».

امتدت الدراسة أربع سنوات ، ودرس الطلاب التركية والعربية والفارسية والفرنسية ، إضافة إلى التاريخ والجغرافيا ، بينما تولى التدريس ضباط ومدنيون ، في حين كانت الإدارة عسكرية بالكامل . وكانت شهادة الرشدية تعادل الدراسة المتوسطة حالياً ، ويؤهل النجاح فيها للانتقال تلقائياً إلى الإعدادية العسكرية .

الإعدادية العسكرية.. محطة العبور إلى إسطنبول

أنشئت الإعدادية العسكرية في بغداد عام 1878 خلال ولاية عبد الرحمن باشا ، وكانت مدرسة داخلية تستقبل خريجي الرشدية العسكرية من بغداد والسليمانية .

شملت مناهجها الجبر والهندسة والمثلثات والرسم وعلم الفلك والتاريخ والجغرافيا ، إلى جانب اللغات التركية والفرنسية والفارسية والدين .

خرجت المدرسة أول دفعة عام 1881 وضمت 13 طالباً أرسلوا إلى إسطنبول وسط احتفال رسمي وشعبي . ومع نهاية القرن التاسع عشر ارتفع عدد الخريجين إلى 76 طالباً ، بينما استقر المعدل السنوي عند نحو خمسين طالباً .

لم يقتصر أثر هؤلاء على الجيش العثماني ، بل أسهم عدد كبير منهم لاحقاً في تأسيس الجيش العراقي ، فيما تولى آخرون مناصب وزارية ودبلوماسية وبرلمانية بعد قيام الدولة العراقية .

المدرسة الحربية... مصنع الضباط

تأسست المدرسة الحربية في إسطنبول عام 1834 على النموذج العسكري الفرنسي ، قبل أن تتأثر لاحقاً بالمدرسة العسكرية البروسية نتيجة تنامي النفوذ الألماني داخل المؤسسة العسكرية العثمانية .

كانت الدراسة داخلية لمدة ثلاث سنوات ، واستقبلت خريجي الإعداديات العسكرية من جميع ولايات الدولة .

ركزت المناهج على العلوم العسكرية ورسم الخرائط والجغرافيا العسكرية والقوانين العسكرية ، إلى جانب اللغتين الفرنسية والألمانية .

ومن اللافت أن المدرسة ، رغم احتضانها أعداداً كبيرة من الطلاب العرب ، لم تكن تدرّس اللغة العربية .

وضمت المدرسة أقساماً للمشاة والخيالة ، فضلاً عن أقسام خاصة بأبناء العشائر والبيوتات ، وكان عدد المقبولين في كل دورة يقارب 800 طالب ، بينهم 76 عراقياً عام 1899.

مدرسة الأركان... صناعة القادة

اتسم النظام فيها بالصرامة والانضباط ، وبعد التخرج يصدر السلطان إرادة تمنح الطالب رتبة ملازم ثان ، ثم توزعه وزارة الحربية على الوحدات العسكرية المختلفة .

في عام 1848 أنشئت مدرسة الفنون الحربية الملكية، التي أصبحت لاحقاً مدرسة الأركان.

وشهدت المدرسة تطوراً كبيراً بعد الاستعانة بالخبير العسكري الألماني كولمار فون دير غولتس (غولتس باشا) عام 1884، الذي أعاد تنظيم التعليم العسكري وفق النموذج الألماني ، ومدد الدراسة إلى ثلاث سنوات .

خصصت المدرسة لإعداد ضباط الأركان ، وركزت على العلوم العسكرية العليا والتاريخ العسكري والسياسي ، إضافة إلى اللغات الفرنسية والألمانية والروسية ، كما فرضت رحلات تطبيقية ميدانية قبل التخرج .

وبعد انقلاب عام 1908 أصبحت مدرسة مستقلة تابعة لرئاسة الأركان العامة ، وانتقلت عام 1909 إلى قصر يلدز في إسطنبول .

دورات لتحديث خبرات الضباط

لم تكتف الدولة العثمانية بإعداد الضباط ، بل أنشأت بعد انقلاب 1908 مدارس تدريب عرفت باسم «تعليمكاه» في مقرات الجيوش المختلفة .

وكان الهدف منها تحديث معلومات الضباط ، سواء من خريجي المدارس العسكرية أو من الضباط الذين ترقوا من الخدمة الميدانية.

في عام 1913 افتتحت دورة مماثلة في بغداد بإمرة الرائد الركن رشيد الخوجة ، واستمرت ثلاثة أشهر ، وتناولت أحدث النظريات العسكرية واستخدام الأسلحة وصيانتها ، وقواعد الصحة العسكرية ، والمخابرات ، واستعمال البرق والهاتف ، وأساليب القيادة والتعامل مع الجنود .

إعداد ضباط الصف

كما أولت الدولة العثمانية اهتماماً بإعداد ضباط الصف من خلال مدارس خاصة حملت اسم «كوجك ضابطان مكتبي»، استقبلت الشباب بين 18 و19 عاماً ممن يتمتعون بحسن السيرة والصحة الجيدة.

استمرت الدراسة سنتين ، ليتخرج الطالب برتبة جندي أول، ثم يتدرج حتى رئيس عرفاء .

كما خصصت مدارس تمهيدية لمن هم بين 15 و18 عاماً ، ركزت على التدريب العسكري الأساسي ، والمخابرات ، والتعبئة ، والاستحكام ، واستخدام الأسلحة ، إضافة إلى مبادئ القراءة والكتابة والحساب والتاريخ والجغرافيا.

وكان الخريجون ملزمين بخدمة عسكرية طويلة ، مع منحهم أولوية التعيين بعد التسريح في الشرطة والبريد ودوائر الدولة المدنية.

إرث تجاوز المؤسسة العسكرية

تكشف تجربة المدارس العسكرية العثمانية عن منظومة تعليمية متكاملة هدفت إلى بناء ضابط يجمع بين الانضباط العسكري والمعرفة العلمية . وقد انعكس هذا النظام على العراق بصورة مباشرة ، إذ خرّجت هذه المدارس جيلاً من الضباط الذين لم يقتصر دورهم على الخدمة العسكرية ، بل أصبحوا لاحقاً من مؤسسي الجيش العراقي ورواد الإدارة والسياسة والدبلوماسية في الدولة العراقية الحديثة ، ما يجعل دراسة هذه المؤسسات مدخلاً مهماً لفهم نشأة النخبة العسكرية العراقية وتطورها .

 


مشاهدات 60
الكاتب جواد الرميثي
أضيف 2026/07/09 - 12:32 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 2:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 154 الشهر 8788 الكلي 15913915
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير