الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أعذروني أيها المتفائلون فأنا متشائم

بواسطة azzaman

أعذروني أيها المتفائلون فأنا متشائم

ليث الصندوق

 

لا شكّ أنّ التأييد الشعبي العارم للحملة ضد الفاسدين هو الإستفتاء الحقيقي على العملية السياسية برمتها ، وهو أيضاً رسالة تقدمها الجماهير للطبقة السياسية ملخّصها أننا لا نثق بكم ، ونشككّ في الطرق التي أوصلتكم إلى السلطة . وبالرغم من تفهمي التام للنوايا الطيبة لتلك الجماهير ، وفي وقوفي معها في موقفها من العملية السياسية ، ومن طبقتها ، إلا أنني أشعر بالبرود أزاء هذا التأييد العارم ، فأنا لم أتحمّس له ، وكلما حاولت أن أقنع نفسي بضرورة إظهار نوع من الحماس وجدتني أكثر تردداً وبروداً ، وهذا البرود يضعني في موقف الحرج لا سيما أنه ربما يُفسّر على أنه نوع من التعاطف مع الفاسدين ، أو قد يضعني في صف المتورطين والمتضررين من الحملة ، أو في صف مؤيديهم والمستفيدين منعم معاذ الله . فكيف لي إذن الخروج من هذا المأزق ، وأنا بالرغم من كلّ محاولاتي للضغط على جسدي المتهالك ، وإجباره على الرقص والهتاف لا أجد لديّ من الحماس ما يكفي للقفز مع القافزين ، والرقص مع الراقصين ، بل أني كلما حاولتُ أن أمطّ تقاسيم وجهي لأبدو باسماً أو ضاحكاً ، تعود تقاسيمي أكثر اكفهراراً وعبوساً ، حتى لتبدو أقرب إلى البكاء منه إلى الضحك .

لقد بدأت وسط هذا التناقض ما بين حالة الجموع الإيجابية وحالتي السلبية المقلقة أبحث في تاريخ خيباتي الطويل عن السبب الذي أطفأ جذوتي ، وأخرجني من صفوف الأسوياء . وقادني بحثي إلى أن أشكك في سلامتي النفسية ، وفي قدرتي على الفرح . وقلتُ لنفسي : ربما ساهمت سنوات الخذلان الطويلة وتجاربه المريرة في إطفاء آخر جمرة من جمرات الفرح المخزونة تحت جلدي . وبوصولي إلى هذه النتيجة وضعت أصبعي على السبب : فبأيّ فمٍ تريدون مني أيها المتفائلون الأعزاء أن أضحك ، وقد بزّ لصوصُ السياسة لصوصَ المقابر عندما اقتلعوا كلّ ما أفواهنا من الأسنان ونحن لم نزل على قيد الحياة ؟

ولماذا الإسراف في كل هذا التفاؤل ، ولم يُقتلع بعدُ من الغابة المنخورة سوى بعض الغصينات ؟ بينما الكلّ يعلم أن العلة ليست في الغصينات ، بل في الآفة التي نخرتها : في الدستور الملغوم ، وفي سلسلة القوانين والأنظمة والتعليمات التي أتخمت الديدان الصغيرة ومكنتها أن تنمو وتتحوّل إلى ديناصورات ، بينما شلّت جموع الشعب ، ولم تمكنها سوى من الزحف على البطون .

لماذا كلّ هذا التفاؤل ، ونحن نعلم أنّ الفساد هو إبن الإستقواء بالأجنبي بغض النظر عن هويته .

والفساد هو من نتائج هيمنة السلاح المجهول النسب ، وانفلات حامله ومستخدمه من المساءلة .

والفساد هو في استبعاد أصحاب العقول ، والاستئناس بالدعيّ والجهول .

والفساد هو في انحسار العلمانية ، وتغليب الهويات المحتربة والمتنازعة على الصغائر والهوامش .

وبعدُ أيها الأصدقاءُ المتفائلون الأعزاء فأنا أعلم أنّ طيبة قلوب العراقيين جنت عليهم فجعلتهم نسّائين ، فهم لا ينسونَ الإساءة فحسب ، بل ينسون من أخلف إليهم وعوده ، فلننشّط ذاكرتنا قليلاً أيها الأصدقاء الإعزاء ، ونرجع بالزمن إلى الوراء لنستعيد الوعود الملونة والمبهرجة التي خدعتنا بها حكومات الأعراس المباغتة وجعلتنا نتدافع صفوفاً على صناديق الإنتخابات ، لننتخبها ، أو لنعيدها مرة أخرى معزّزة مكرّمة بعد كل تجربة فاشلة إلى السلطة ، ألم تكن وعود تلك الحكومات ملونة ومبهرجة حقاً ، تفاءلنا بها ، ورقصنا وغنينا لها حتى صار يحسدنا طيّبا الذكر المرحومان محمد عبد الوهاب وأم كلثوم في قبريهما على طاقتنا الفذة في التلحين والغناء . وفي المحصلة النهائية أين ذهب تفاؤلنا ، وأين استقرت اغانينا وهتافاتنا ، وما هي نتائج تدافعنا على صناديق الإنتخابات ، وقبل هذا وتلك أين استقرّ قرار رجال حكومات الوعود الملونة . لقد تركونا ننام في نفس الحفر الطينية التي حفرتها أقدامنا الراقصة ، بينما هم ينظرون إلينا من خارجها ساخرين ، ولسان حالهم يقول : هذا حال من يثق بعدوّه .

فاعذروني أيها الأصدقاء المتفائلون الأعزاء على خروجي من صفوفكم ، فأنا متشائم ، وسأبقى متــــــشائماً حتى أرى إقتلاع آخر شجرة منخورة

شاعر وكاتب عراقي

 

 

 

 

 


مشاهدات 45
الكاتب ليث الصندوق
أضيف 2026/07/01 - 3:38 PM
آخر تحديث 2026/07/02 - 11:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1041 الشهر 2104 الكلي 15907231
الوقت الآن
الخميس 2026/7/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير