الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل سيقود ترامب مكارثية جديدة ؟

بواسطة azzaman

هل سيقود ترامب مكارثية جديدة ؟

حسن عبيد عيسى

 

تصريحات صادمة تلك التي أدلى بها ترامب في خطاب شديد اللهجة ألقاه أمام تجمع ديني إنجيلي يُدعى (الدين والإيمان)  الجمعة المنصرمة ..فهو وقد صُدم بالفوز المُبين الذي حققه ثلاثة من حلفاء ممداني في الإنتخابات التمهيدية عن الحزب الديمقراطي في نيويورك ،مما جعل الرجل الذي ينماز بحساسية شديدة تجاه الخصوم يُخْرِج ما في داخله من مشاعر إحتدامية خطيرة..فهو في هذا الخطاب ،إتهم هذا الجناح من الحزب الديمقراطي بأنه فصيل شيوعي ،وراح يفصّل ما يكمن في خياله عن الشيوعية كونها مُلحدة وان هؤلاء الخصوم شيوعيون متطرفون ملحدون  ، وان الأفكار الشيوعية لا تتلاءم مع المجتمع الأميركي فهي كما وصفها ،تشكل أخطر تهديد على هذا المجتمع..وإن هؤلاء هم خلايا سرطانية خطرة ،لم تشهد لها البلاد مثيلاً منذ تأسيسها قبل 250 سنة.

فهذا الخطر كما يعتقده ترامب متشعب الأذرع وكلها أذرع مؤذية من وجهة نظره ،فهو خطر داهم ،يهدد الإزدهار المتحقق في أميركا ،وهو تهديد جسيم للحرية الدينية فيها ،وهذه نماذج للأخطار التي يريد ترامب من شعبه أن يحس بها .

مشكلة ترامب مع ممداني وفريقه النيويوركي ،أن هؤلاء يحققون نجاحات باهرة على شتى الأصعدة والمجالات ما يوسع قاعدتهم الجماهيرية ،ومنها المكسب الشعبي الفخم الذي حققه ممداني عندما نجح في تجميد مليون إيجار لمستأجري المساكن في المدينة ،وهو الوعد الذي قطعه على نفسه قبل فوزه بمنصبه..

هذا المكسب تحديداً ،رفع منسوب الغضب عند ترامب الذي إرتفعت نبرة صوته عالياً وهو يقول « لوشئت لكنت أعظم شيوعي في التاريخ ،وأن أعفي الأميركان من بدلات الإيجار» ، إلا أنه لن يختر هذا المسلك كونه سيعود بالفقر على المجتمع الأميركي كما زعم..وهو ما رآه مصداقاً لكلامه الذي خلاصته أن هذه التوجهات الشيوعية خطرة على الإزدهار المتحقق أميركياً ، كما هي خطرة على المسيحية.

ترامب المعروف أنه ذو ماضٍ مُشين بدليل التعويضات الضخمة التي دفعها لنساء زعمن أنه تحرش بهن أو مارس معهن الفجور برضاهن أو خلاف ذلك  ومنهن الصحفية إي جين كارول التي الزمه القضاء بتعويضها بثمانية وثمانين مليون دولار لإعتدائه عليها جنسياً وقيامه بالتشهير بها .ثم مصيبته الكبرى التي تلاحقه وتجعله عرضة للإبتزاز الدائم ، تلكم هي تورطه وإنغماسه في عار أبستين وما أشيع من مشاركته في إغتصاب الفتيات القاصرات ،مما يعطي صورة سيئة عنه ،تدلل على أنه رجل لا علاقة له بالدين..الا أنه ولأسباب سياسية أقل ما توصف بأنها نفاق .

فلبسه مسوح الدين ،وتأسيسه مكتباً في البيت الأبيض يُدعى مكتب الإيمان ،وتظاهره بتلاوة الصلوات خلال إجتماعات العمل الرسمي كلها مظاهر تستجدي التعاطف الجماهيري.

حرية العمل

هذه الصورة التي حاول أن يكرّسها عن نفسه ،أعطته فسحة من حرية العمل الهجومي ضد الديمقراطيين بحجة الدفاع المستميت عن الإيمان الديني (الإنجليكاني)..فهل سيقف الهجوم الذي شنه على الديمقراطيين (الكفرة) كما صوّرهم عند هذا الحد ؟..أم أنه كما فعل مع كل أفكاره التي بدأها بتغريدات ثم طوّرها الى مسالك عمل وخطط  سَخّر لها كل موارد البلاد؟..

هذا يقودنا الى أفق معتم وتصوّر مُدلهم..فهل سيقود ترامب مكارثية جديدة ينتقم بواسطتها من كل خصومه كما فعل أسلافه الجمهوريون في مطلع العقد الخمسيني من القرن المُنصرم ، عندما سلّموا رجلاً مهووساً لا يتورّع عن سلوك أحط الطرق وأسفل الأساليب للوصول الى غايته ، إنه النائب الجمهوري جوزيف مكارثي الذي عُرفت حملته الهادفة الى ما زعم أنه إجتثاث للشيوعية من المجتمع الأميركي ،بالمكارثية .

فما هي المكارثية؟..

المكارثية عمدت الى تصنيع خطر وزرعه في ثنايا العقل الأميركي ،قوامه أن ثمة مؤامرة خطيرة تنسجها الشيوعية تهدف الى الهيمنة على المجتمع الأميركي ،وأن من أهم أوجه خطورة الشيوعية يتمثل في أنها (فكر ديني !) يسعى للقضاء على المسيحية ،وبالتالي يحوّل المجتمع الأميركي الى مجتمع مُلحد ليس له ضابط ديني (هذا هو جذر الأفكار التي طرحها ترامب).وإن الإتحاد السوفيتي نجح في زرع خلايا هائلة من الشيوعيين داخل نسيج المجتمع الأميركي ،للعمل كجواسيس يجمعون المعلومات الاستخباراتية الخطيرة ويقوضون قوّة أميركا وقدراتها ومكانتها العالمية.

بدأ مكارثي عمله في شباط 1950 بالتحقيق مع 205 موظف في وزارة الخارجية الأميركية ،واتهمهم باعتناق الشيوعية والتجسس لصالح موسكو..وعندما لمس قبولاً من قبل الإدارة والمجتمع الخائف على دينه وإزدهاره ومستقبله ،فإنه تمادى حتى بلغ عدد من طالهم الإتهام ، أزيد من عشرة آلاف متهم ،طردوا من وظائفهم حتى قبل أن تشرع لجان مكارثي التحقيقية بالتحقيق معهم.

وإذا ما عرفنا أن من بين الأسماء التي طالها الإتهام هي لكبار أعضاء النخبة الثقافية الأميركية ،وأن مكارثي اعتقلهم من دون أن يمتلك ضد أي منهم أي دليل مهما كان بسيطاً ،لعلمنا أن تلك الحملة ليست غير موجة إنتقامية فارغة ،جعلت المجتمع الأميركي يحس بخطئه عندما أيّد مكارثي  فإنفض عنه ،لذا فإن النقد الذي وجهه صوبه مثقفون شجعان لم يهابوا سطوته وشهيته الطاغية للإنتقام.

فمن بين الذين اعتقلهم مكارثي وفتح له المحقق إدغار هوفر ملفاً تحقيقياً ،الأديب العالمي جون شتاينبك ،ولعل التهمة الوحيدة التي كانت في ملفه الأمني هو أن أعماله الأدبية تناولت واقع وحياة ومشاكل الكادحين والبسطاء ، ما جعل المهووسين من أنصار مكارثي يعمدون الى إحراق نسخاً من روايته (عناقيد الغضب)..وبذا فإن إتهامه بإعتناق الشيوعية كان سهلاً ميسوراً.

ولابد من الإشارة الى أن فهم شتايبك لواقع أفراد هذه الشريحة البائسة ، كان من بين مبررات منحه جائزة نوبل للأدب سنة 1962 ،فهو كما جاء في براءة الجائزة (ذو فهم اجتماعي عميق).وحتى نبين تأثير معاناة شتاينبك من لجنة التحقيق المكارثية ،ومدى تأثير تلك اللجان على المجتمع الأميركي ،فإنه ظل طوال حياته عبداً للسلطة خائفاً منها ،بدليل أنه خرج على إجماع الملأ الثقافي الأميركي والعالمي عندما قبل دعوة الجيش الأميركي للذهاب الى فيتنام سنة 1966 و1967 ،وأعد تقريراً أشاد فيه بإداء الجيش الأميركي الذي كان كل العالم يعلم علم اليقين أنه يقوم بجرائم حرب ،يندى لها الجبين هناك ،ومنها سلسلة مجازر مروعة ،كانت آخر حلقاتها مجزرة ماي لاي .

 وكما وقع شتاينبك بين براثن مكارثي،فإن من بين أعلام النخبة الأميركية التي أرعبها مكارثي بإجراءاته التعسفية ،شارلي شابلن الذي جسد حياة المتشردين ،وما تضمنه تمثيله من نقد ضمني للرأسمالية ، لذا فإن  لجان مكارثي رفضت دخوله الى أميركا بعد سفرة قام بها الى لندن ، وكذلك المدافع عن الحقوق المدنية للسود مارتن لوثر كينغ ،والكاتب المسرحي الأشهر آرثر ميللر الذي عُرف بدفاعه عن الحرية الفكرية وكماً هائلاً من مشاهير الصحافيين والأكاديميين والأدباء والسياسيين..

فإذا كان هؤلاء نافحوا عن الكادحين والفقراء بشكل أو بآخر ،حتى صار فعلهم ذاك تهمة تستوجب فتح أضابير أمنية لهم وإعتقالهم ،فما بال العالم البرت إينشاتين الذي كان من أهداف مكارثي ؟.

في الحقيقة فإن آينشتاين وعى حقيقة المكارثية كما وعتها غالبية الشعب الأميركي ،لذا فإنه حث المثقفين وعموم الخاضعين لسلطة مكارثي ،أن لا يتعاونوا مع سطات التحقيق ،فالخطر الحقيقي على أميركا هو هذه اللجان وليست (الأعداد القليلة من الشيوعيين) إن وجدت..

               نرى أن الهَوَس الذي عمل على وفقه مكارثي حتى أنه نال كراهية وعداء الأميركان لفشله في إثبات وجود خطر شيوعي يهدد المسيحية والإزدهار في أميركا ، ربما سيكرر في ما نظنه حملة لترامب سيواصل شنها ضد الديمقراطيين ،بعد تشبع عقله بالخوف من الخطر الذي يمثلونه لمستقبله الشخصي ،فهو حَذَّرَ أكثر من مرة ،أنه لو خسر حزبه الإنتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل ،فإنه ربما سيُعْزَل..ومن هنا نتلمس حجم االخوف الكامن في عقله.

               فالأميركان الذين خبروا ترامب وغوغائيته ،ستُفْتَح أعينُهم على أهدافه من وراء هذه الحملة التي هي النسخة الثانية لمكارثية الخمسينات ،في زمن لم يعد التدليس ممكناً مع وجود وعي جماهيري ،ووسائل إعلام ووسائل تواصل تكشف كل مخفي . خصوصاً وإن المجتمع الأميركي خَبِرَ هذه الإدعاءات الفارغة بوجود أخطار مصيرية على المجتمع ،بينما هي في حقيقتها ،أعمال إنتقامية (حملة مكارثي)..أو الخوف من خطر شخصي كحالة ترامب..

               عموما لا نستبعد أبدا شروعه بحملة جديدة  مماثلة لحملة مكارثي ..تقوّض مستقبله لرفض الشعب الأميركي لهذه الأساليب..

 


مشاهدات 43
الكاتب حسن عبيد عيسى
أضيف 2026/06/29 - 2:59 PM
آخر تحديث 2026/06/30 - 5:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 309 الشهر 28745 الكلي 15904226
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير