نسرين برواري في أرض آلاف الينابيع.. الحركة الكردية بزعامة الجنرال الأسطوري
عبد الحسين شعبان
«كيزة.. كيزة.. كيزة.. كيزة»، بهذه العبارة ابتدأت نسرين برواري مقدمة كتابها، وهي تعني باللغة الكردية «بنت.. بنت.. بنت.. بنت..»، ذلك ما ردّدته صديقة والدتها الروسية بالينا ساعة ولادتها، وهي تبشّر العائلة بالخبر السعيد الذي طال انتظاره بسبب وفاة شقيقتين قبلها، وحسب المثل الروسي، حين تولد بنت للعائلة، تخاطبها القابلة أو الطبيب المختص: «كوني سعيدة قبل أن تكوني جميلة». والجمال بقدر ما يجلب البهجة والفرح، فإنه لا يعني الشكل فحسب، بل المضمون أيضًا، للعلاقة العضوية بينهما، وهكذا تكتمل الصورة بجمال الروح والأخلاق.
تروي نسرين فصولًا مهمة من حياتها في كتابها الموسوم «في أرض ألاف الينابيع»، وهو بمثابة مذكرات كُتبت بلغة شفيفة وجملة أنيقة وفكرة جريئة، حاولت من خلالها البوح بمكنونات نفسها وما يختلج في صدرها عن تجربتها، على الرغم من أن الطريق ما يزال طويلًا أمامها، لكنها قرّرت أن تبدأ بمؤلّفِها الأول الذي سينتهي عند العام 2003، وهو عام احتلال العراق وسقوط النظام الديكتاتوري الذي حكم البلاد لنحو 33 عامًا بالحديد والنار.
كانت نسرين البنت الوحيدة بين ثمانية أشقاء ذكور لأبوين، هما مصطفى ورابعة، وقد تعلّمت منهما فن القص من خلال الحكايات التي كانا يرويانها لها، وهي بدورها أخذت ترويها إلى أبناء وبنات إخوانها. وتأتي رغبتها في كتابة مذكراتها في سردية تلقائية جميلة إجابة على أسئلتهم، وتقول إن روايتها لتلك الحكايات جعلها تشعر بإنسانيتها، كما ساعدها في تلمّس طريقها الخاص داخل هذا الخضم.نشأت نسرين في بغداد العربية كما تقول، لكنها ظلّت متمسّكة بهويّتها الكردية، حيث تُفصح سردياتها عن مدى إيمانها بآمال شعبها وكفاحه من أجل حقوقه العادلة والمشروعة، وقد تمكّنت من خلال التعليم وتأهيل نفسها وامتلاك إرادة واعية وثقة بالنفس من تجاوز الكثير من العقبات والتحدّيات، وتعلّمت من تجاربها قيمة التسامح باعتباره الخطوة الأولى للتعافي بعيدًا عن الضغائن والأحقاد والانتقام. وبقدر ما حاولت التعبير عمّا عاشته كفرد، فإن حكاياتها ومذكّراتها كانت تعبيرًا عن قصة شعب قرّر أن يعيش تحت الشمس، وأن يبذل الغالي والنفيس في سبيل نيل حقوقه.
في بغداد درست الهندسة المعمارية (كلية الهندسة – جامعة بغداد) العام 1986، وقد سبقها شقيقها فخري للتخرّج من الكلية ذاتها، علمًا بأن تصميم الجامعة الراقي كان قد وضعه المهندس والتر غروبيوس في فترة العهد الملكي، وجرى تنفيذه لاحقًا في العهود الجمهورية. وحين تتوقّف عند فترة دراستها تتحدّث باعتزاز عن تطوير قدراتها الذاتية ومهاراتها بالتعاون مع زملائها في البحث والتحليل، سواء في الفصل الدراسي أو خارجه.
تصف نسرين أوضاع العراق وظروفه السياسية خلال سنوات الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988)، فأربعة من إخوانها توزعوا على جبهات الحرب المختلفة، حيث كانت الحياة برمّتها متأثرة بالحرب، إضافة إلى أن جهاز المخابرات كان يعمل بنشاط في الجامعة، وعند كلّ زيارة لعائلتها في دهوك كانت تُستجوب لأكثر من ساعة، وكان عليها أن تجيب عن كل مكان زارته وكل شخص قابلته، لدرجة كانت تشعر أنها ملاحقة، ومن بعض المفارقات التي ترويها أنها في الوقت الذي كان النظام يقوم بتهجير العوائل من كردستان قسرًا وتجريف بعض القرى والقصبات وتدمير المنازل التي يعود بعضها إلى أقاربها، فضلًا عن إتلاف المحاصيل الزراعية وقطع الأشجار، تقول: كنت أعيش صراعًا داخليًا، إذْ أنني بدأت في سنتي الدراسية الثالثة (1988) أتعلّم تصميم المناطق السكنية.
قائدة عالمية
في العام 1990 غزا صدام حسين الكويت، وبعد حرب قوات التحالف ضدّه في العام 1991 وهزيمة القوّات العراقية، ثار جنوب العراق ووسطه على نحو عفوي، وفي الشمال الكردي انتفض الحزبان الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وحركات سياسية أخرى ومعهم جماهير شعبية، بمن فيهم بعض من جندتهم الحكومة العراقية (الفرسان)، وتمّ الاستيلاء على المدن والقرى والقصبات بما فيها كركوك، وشمل الأمر العراق بأسره، باستثناء بغداد والموصل والرمادي وتكريت، ودخل البيشمركة مدينة دهوك دون مقاومة، والمفارقة حين سمحت قوات التحالف الدولي للحكومة العراقية استخدام المروحيات، فأُجهضت الانتفاضة، وبحلول نهاية آذار / مارس، وفي غضون أيام قليلة، فرّ الأهالي نحو الحدود التركية، وهو ما أُطلق عليه (الهجرة الجماعية المليونية).
وتستعرض نسرين محطات من تاريخ الحركة الكردية، ابتداءً من ثورة أيلول / سبتمبر 1961 بقيادة الملّا مصطفى البارزاني الذي تصفه بالجنرال الأسطوري الذي كان جدّها متأثرًا به، مرورًا بتجربة الملاذ الآمن وحكومة إقليم كردستان التي شاركت فيها، ومن ثمّ مشاركتها في الحكومة الاتحادية في بغداد، وكانت المرأة الوحيدة، إضافة إلى عملها في المنظمات الدولية، الذي أكسبها خبرة مضافة، حيث اختارتها جامعة الدول العربية واحدة من بين 10 نساء متميّزات، وكقائدة شابة عالمية من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي.
تمتاز مذكرات نسرين ببوح شديد وصراحة وشفافية عاليتين، وتعكس شخصيتها المنفتحة والمستقلة الواثقة بنفسها وإصرارها على النجاح لتحقيق ما تريد وتتمنّى، على الرغم من الصعوبات التي واجهتها، إضافة إلى دفاعها عن المرأة وعن بنات جنسها وحقوقهنّ وجدارتهن، فمن قال إن الرجال جديرون وحدهم، وظلّت تكافح وتنافح حيثما تكون ضدّ التمييز بحق المرأة لتحقيق العدالة والسلام والتنمية.
لم تُثنِها محاولات الاغتيال الأربعة التي تعرّضت لها، وواصلت طريقها بعيدًا عن الانتقام أو الثأر أو الكيدية، بل تشبّثت أكثر بالرحمة والتواصل وقبول التنوّع، وكأنها تتمثّل بقول كونفوشيوس «نردّ الخير إزاء الخير ونردّ العدالة إزاء الشر، لا الشر إزاء الشر». وذلك أحد أهم الدروس التي استخلصتها من تجربتها، ووفقًا لنيتشه «ينبغي على من يواجه وحوشًا ألّا يتحوّل إلى وحش مع مرور الأيام».
وكما يقول الشاعر أبو العلاء المعرّي:
وإذا تساوت في القبيح فعالنا... فمن التقيّ وأيّنا الزنديق؟
وفي المذكرات تكشف نسرين عن انتمائها العراقي الأصيل وخصوصية هويّتها الكردستانية، وتدعو إلى حلول سلمية ومعرفية للمشاكل القائمة، ولاسيّما باحترام الهيئات المحلية وإشباع الحكم المحلّي بالصلاحيات، وذلك في إطار نظرة شمولية لتطبيق مبدأ الفيدرالية الذي أقّره الدستور.
وكان للعائلة دور كبير في نظرتها المتوازنة وفي تعميق ثقافتها، فقد كانت تتلقى الكتب كهدية بمناسبة عيد ميلادها، الأمر الذي جعل للكتاب قيمة خاصة عندها، فلا قيمة لمنزل دون كتب لأنه سيكون منزلًا بلا روح.
لم تكن نسرين امرأة تقليدية، بل امتازت بالشجاعة والجرأة والحزم في اتّخاذ القرار، وقد خاطبت بنات جنسها بقولها كوني شجاعة للغاية، قوية ولطيفة، وقبل كل شيء متواضعة، ولعلّها بذلك وباللّاشعور ومن خلال العقل الباطن وكأنها تتحدّث عن نفسها.