مبدعون في الذاكرة (60)
اضاءه مهنية لا دراسة نقدية
عبد المنعم حمندي… سيرة شاعرٍ حمل بغداد في قلبه من أزقة القشل إلى فضاءات الثقافة العربية
ياس خضير البياتي
################
في قلب بغداد القديمة، حيث تتكئ الأزقة على ذاكرة القرون، وتنهض محلة “القشل” كأنها صفحةٌ من كتابٍ عباسي لم يُغلق بعد، وُلد عبد المنعم حمندي عام 1954، ليبدأ رحلةً طويلة مع الحرف، رحلة لم تكن مجرد سيرة شاعر أو صحفي، بل سيرة جيلٍ عراقي كامل عاش التحولات الكبرى، وكتبها بالحبر والوجع والأمل.
كانت “القشل” أكثر من حيّ شعبي؛ كانت مناخًا روحيًا وثقافيًا تتجاور فيه الأصوات القديمة مع أحلام الحداثة.
هناك، وسط البيوت البغدادية العتيقة ذات الشبابيك الخشبية والممرات الضيقة، تشكل وعي الطفل الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من أبرز الأصوات الثقافية العراقية.
في تلك البيئة البغدادية، كان التاريخ يسير في الشوارع اليومية للناس. المقاهي القديمة، أصوات الباعة، تلاوات الفجر، وأناشيد المدارس، كلها صنعت ذاكرة حسية عميقة لدى الفتى الذي تعلّم مبكرًا أن المدن لا تُقرأ بالحجارة فقط، بل بأرواح سكانها.
ولذلك بقيت بغداد، رغم كل ما مرّ بها، تسكن قصائده بوصفها أمًّا كبرى وجرحًا مفتوحًا في آنٍ واحد.
نشأ في أسرة محافظة، تؤمن بأن العلم قيمة، وأن الكلمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون أداة تعبير. لذلك لم يكن غريبًا أن يتجه مبكرًا نحو القراءة والتأمل، وأن يجد في اللغة بيتًا داخليًا يسكنه منذ الطفولة.
وحين التحق بكلية أصول الدين، لم يكن يسعى إلى شهادة جامعية فحسب، بل كان يبحث عن المعنى العميق للأشياء.
هناك، بين الدرس الديني واللغوي والفلسفي، اتسعت رؤيته للحياة، وبدأ يدرك أن الشعر ليس ترفًا بل طريقة أخرى لفهم العالم.
لقد منحته تلك المرحلة حسًا لغويًا رفيعًا، ووعيًا فكريًا جعله أكثر قربًا من جوهر الإنسان، وأكثر ابتعادًا عن الشعارات الجاهزة والضجيج العابر.
وكانت تلك المرحلة حاسمة في بناء شخصيته الفكرية؛ فقد أدرك أن الثقافة الحقيقية لا تقوم على التلقين، بل على السؤال.
لذلك ظل طوال حياته منحازًا إلى المعرفة الحرة، وإلى المثقف الذي يفكر قبل أن يهتف، ويكتب قبل أن يصفق.
غير أن بغداد السبعينيات لم تكن مدينة هادئة. كانت مدينة تغلي بالأفكار، بالصراعات السياسية، وبالمعارك الثقافية التي كانت تدور في المقاهي والصحف والجامعات. كان الجميع يرفع صوته، بينما اختار حمندي أن يرفع قيمة صوته لا حدته.
لم يكن شاعر المنابر الصاخبة، ولا كاتب البيانات الحماسية، بل كان ينتمي إلى ذلك النوع النادر من المثقفين الذين يفضلون العزلة الأنيقة على الشهرة السريعة، ويؤمنون أن القصيدة الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ كي تُسمع.
ومنذ بداياته الأولى، بدت المغايرة واضحة في تجربته. ففي وقتٍ انجرف فيه كثيرون نحو التقليد أو الشعارات السياسية المباشرة، كان هو يشتغل على بناء لغته الخاصة، وصورته الشعرية المختلفة.
لقد آمن أن الحداثة ليست فوضى لغوية ولا قطيعة مع الجمال، بل هي خلقٌ جديد للدهشة. ولذلك جاءت قصائده مشغولة بعناية، نقية في لغتها، وعميقة في إشاراتها، تستمد قوتها من صدق التجربة لا من الزخرفة اللفظية.
في عام 1969، أطلق صرخته الشعرية الأولى، وكانت القصيدة العمودية بوابته الأولى نحو عالم الشعر. لكنه لم يلبث أن انتقل إلى قصيدة التفعيلة عام 1974، مدفوعًا برغبة داخلية في توسيع أفق التعبير، دون أن يفقد انضباط اللغة أو جمال الإيقاع.
ومنذ ذلك الوقت، أخذ مشروعه الشعري ينمو بثبات، حتى تحول إلى واحد من الأصوات الشعرية العراقية المعروفة بفرادتها وخصوصيتها.
وكان يؤمن أن القصيدة ليست مجرد بناء لغوي، بل كائن حيّ يحمل روح كاتبه. لذلك بقي وفيًا لفكرة الشعر بوصفه كشفًا داخليًا، لا مجرد لعبة شكلية.
ولهذا احتفظت نصوصه بحرارتها الإنسانية، حتى في أكثر لحظاتها تجريدًا وتأملًا.
غير أن الشعر لم يكن العالم الوحيد الذي جذبه. فقد كان للصحافة سحرها الخاص في روحه. ذلك العالم الذي تختلط فيه الحقيقة بالخطر، والكلمة بالموقف.
بدأت رحلته الصحفية حين اختاره الأستاذ إبراهيم الفاضلي للعمل في جريدة “العدل” النجفية، ليتولى مسؤولية الصفحات الثقافية.
ومن “العدل” إلى “الجمهورية”، ثم “القادسية”، بدأ يرسخ اسمه في الوسط الإعلامي العراقي.
وفي جريدة “الجمهورية” عمل محررًا في الصفحة الأخيرة إلى جانب أسماء صحفية وأدبية بارزة، وهناك كتب موضوعه الصحفي “ضد الأمية… ضد الشيخوخة”، في وقت كانت قصائده تتنقل بين مجلات “الأقلام” و” الآداب” و” الطليعة الأدبية” و” ألف باء” وغيرها من المنابر الثقافية العراقية والعربية.
كان يتحرك بين الشعر والصحافة بمهارة نادرة؛ فالصحفي فيه لم يقتل الشاعر، والشاعر لم يضعف مهنيته الصحفية. بل إن الاثنين امتزجا ليشكلا شخصية ثقافية مختلفة؛ شخصية تعرف كيف تكتب الخبر بروح الأدب، وكيف تجعل القصيدة أكثر التصاقًا بالحياة اليومية.
وفي زمنٍ كانت فيه الصحافة العراقية تعيش ذروة حضورها وتأثيرها، استطاع أن يكون واحدًا من الأصوات المهنية التي تحافظ على توازن صعب بين الالتزام الوطني والنزاهة الثقافية.
ولذلك كسب احترام زملائه وقرائه، لا عبر الضجيج، بل عبر المثابرة والرصانة.
ومع مرور السنوات، تدرج في المناصب الإعلامية والثقافية، فتولى مسؤوليات مهمة في الصحافة المكتوبة والإعلام المرئي والمسموع.
أصبح رئيسًا للقسم الثقافي في تلفزيون العراق، وعمل في إذاعة “أم المعارك”، ثم شغل مواقع متقدمة في صحف ومؤسسات إعلامية متعددة.
وبعد احتلال العراق، اتسع حضوره العربي، فترأس تحرير “جريدة المدينة” في دمشق بالشراكة مع الأستاذ فاضل الربيعي، كما شغل منصب نائب رئيس تحرير جريدة “الوفاق الديمقراطي”، وعمل خبيرًا ومستشارًا إعلاميًا في عدد من القنوات والمؤسسات، منها “المشرق” و” الرشيد”.
لكن المناصب لم تكن يومًا غايته. لقد ظل يرى نفسه خادمًا للكلمة قبل أي شيء آخر. ولذلك بقي قريبًا من الوسط الثقافي العراقي، ومنخرطًا في همومه وتفاصيله.
كان من المؤسسين الفاعلين لمنتدى الأدباء الشباب، وأسهم في إدارة النشاط الثقافي والعلاقات العربية في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لأربع دورات متتالية.
وقد تحولت مشاركاته العربية إلى ما يشبه مهمة ثقافية ووطنية.
حمل حقيبة قصائده وسافر بها إلى دمشق وعمان وبيروت والقاهرة وتونس وصنعاء وطرابلس وبنغازي، ممثلًا للأدب العراقي في المؤتمرات والمهرجانات، ومدافعًا عن صورة العراق الثقافية في أحلك الظروف.
وفي كل مدينة عربية كان يحمل معه شيئًا من بغداد؛ نبرتها، حزنها، ولهجتها الخفية.
ولذلك لم يكن حضوره مجرد مشاركة أدبية، بل كان تمثيلًا رمزيًا لذاكرة العراق الثقافية التي حاولت الحروب والحصارات تمزيقها.
أما تجربته الشعرية، فقد أثمرت سبع عشرة مجموعة شعرية، توزعت بين التأمل الوجودي والهم الوطني والبحث عن الجمال وسط الخراب. من “أتيتك غدًا” إلى “طواف في ناي” و”نهر ظامئ”، ظل حمندي يكتب القصيدة بوصفها مقاومة داخلية ضد القبح والانكسار. وكانت قصائده تحمل دائمًا نبرة عراقية خالصة؛ نبرة تمتزج فيها الحكمة بالحزن والكبرياء بالألم.
وقد تجاوز صدى شعره حدود اللغة العربية، فترجمت قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصربية، ليصل صوته إلى قراء من ثقافات مختلفة، وليؤكد أن الشعر الحقيقي قادر على عبور الحدود واللغات.
ولم يقتصر عطاؤه على الشعر، بل كتب النثر أيضًا بروح شاعرٍ يعرف كيف يصغي إلى وجع الإنسان.
ففي كتابه “لغة السياط” اقترب من الألم العراقي بصدق مؤثر، بينما بدا في “أمير صعاليك بغداد” كمن يكتب مرثية لجيلٍ كامل من الشعراء الحالمين، وهو يوثق سيرة الشاعر عبد الأمير الحصيري.
وعلى امتداد أكثر من نصف قرن، بقي وفيًا لفكرته الأولى: أن الكلمة موقف، وأن الثقافة ليست زينة اجتماعية بل مسؤولية أخلاقية.
لم يكن من أولئك الذين يبدلون وجوههم مع تغير الأزمنة، بل ظل محتفظًا بصفائه الداخلي وكبريائه الوطني، حتى بدا في نظر الكثيرين شجرة بلوط عراقية، تضرب جذورها في تربة بغداد القديمة، بينما تمتد أغصانها في فضاء الثقافة العربية.
واليوم، حين يُذكر اسمه فإننا لا نستحضر شاعرًا وصحفيًا فحسب، بل نستحضر صورة المثقف العراقي الأصيل؛ ذلك الذي عاش للأدب، ودافع عن الجمال، وحمل وطنه في قلبه أينما ذهب.
لقد أثبت عبر مسيرته الطويلة أن الشعر يمكن أن يكون ضميرًا، وأن الصحافة يمكن أن تكون شرفًا، وأن الإنسان يستطيع، رغم كل الخراب، أن يبقى وفيًا للنور الذي يسكن داخله.
إن عبد المنعم حمندي ليس مجرد اسم في سجل الشعر أو الصحافة العراقية، بل هو جزء من الذاكرة الثقافية للعراق الحديث؛ ذاكرة كتبتها أجيال آمنت بأن الكلمة الحرة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة، وأن المثقف الحقيقي لا يُقاس بحجم ظهوره، بل بعمق أثره وبقائه في وجدان الناس.