لا للتنازلات
مشتاق الربيعي
من المؤسف حقاً ما تتعرض له المرأة في مجتمعاتنا من ضغوطات وانتهاكات تمس كرامتها الإنسانية، فظاهرة التحرش لم تعد حالة فردية أو حادثة عابرة، بل أصبحت أزمة حقيقية تتكرر في كثير من مرافق الحياة، حتى وصلت إلى أماكن يفترض أن تكون رمزاً للقانون والاحترام والتمثيل الشعبي، ومنها قبة البرلمان العراقي.
وقد أثارت السيدة ريزان الشيخ دلير عضوة المجلس النيابي بالدورات السابقة في لقاء تلفزيوني سابق قضية خطيرة عندما تحدثت عن تعرض حتى النائبات إلى حالات تحرش، الأمر الذي يكشف حجم التحديات التي تواجهها المرأة مهما كان موقعها أو مكانتها الاجتماعية والسياسية. وعندما تصل هذه الظواهر إلى المؤسسات الرسمية، فهذا مؤشر خطير يستوجب الوقوف بجدية أمام أسباب الانحدار الأخلاقي والاجتماعي الذي يهدد المجتمع بأكمله.وبالحقيقة، فإن المرأة العراقية ما زالت تواجه في بعض الأماكن عقليات ذكورية متخلفة ترى فيها وسيلة للاستغلال بدلاً من احترامها كإنسانة تمتلك الطموح والكفاءة والقدرة على النجاح. فكثير من النساء عندما يتقدمن إلى فرصة عمل أو يسعين لبناء مستقبلهن، يجدن أنفسهن أمام ضغوطات غير أخلاقية ومحاولات ابتزاز مبطنة أو مباشرة، وكأن بعض ضعاف النفوس يعتقدون أن الوظيفة أو الفرصة المهنية لا تُمنح إلا مقابل تنازلات تمس الكرامة والشرف.وهذا الأمر لا يمثل إساءة للمرأة فقط، بل هو إهانة للمجتمع بأكمله، لأن المجتمع الذي تُهان فيه المرأة وتُجبر على الصمت خوفاً من الفضيحة أو خسارة الفرصة، هو مجتمع يفقد تدريجياً إنسانيته وقيمه. والأخطر من ذلك أن بعض الضحايا يفضلن الصمت بسبب الخوف من نظرة المجتمع أو من غياب الحماية القانونية والدعم النفسي والاجتماعي، ما يجعل الكثير من هذه الجرائم تمر دون محاسبة حقيقية.
إن حماية المرأة لا تكون بالشعارات والخطابات فقط، بل عبر تشريع قوانين صارمة تجرّم التحرش والابتزاز بكافة أشكاله، وتوفر بيئة آمنة للعمل والتعليم والحياة العامة، إضافة إلى نشر الوعي الأخلاقي والتربوي داخل الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات الدولة. فاحترام المرأة هو احترام للمجتمع بأكمله، والسكوت عن هذه الظواهر يعني السماح لها بالتمدد والتغلغل أكثر في حياتنا اليومية.وأنَّ المرأة خُلقت لتكون رمزاً للعطاء والكرامة والإنسانية، لا وسيلةً للاستغلال أو الابتزاز. فهي الأم التي تُربي الأجيال، والأخت التي تساند، والزوجة التي تشارك الرجل أعباء الحياة، والابنة التي تمثل الأمل والمستقبل. لذلك فإن احترام المرأة ليس تفضلاً أو مِنّة من أحد، بل واجب أخلاقي وإنساني وديني، لأن المجتمعات تُقاس برقيِّ تعاملها مع المرأة وصون كرامتها وحقوقها.ولا يمكن لأي وطن أن ينهض بصورة حقيقية إذا كانت المرأة فيه تخشى السير بأمان، أو تخاف من المطالبة بحقوقها، أو تُجبر على تقديم التنازلات من أجل فرصة عمل أو معاملة إنسانية طبيعية، فالكرامة الإنسانية لا تُشترى ولا تُباع، والمرأة يجب أن تُحترم لا أن تُستغل، فهي ليست سلعة للمساومة بل شريكة أساسية في بناء المجتمع وصناعة الأجيال.
ويبقى السؤال المؤلم:متى تنتهي التنازلات…؟