الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين ليالي الحلمية والجادرية

بواسطة azzaman

بين ليالي الحلمية والجادرية

حسن الحيدري

 

لا يمكن فصل المشهد الفني في العراق عن التحولات الاجتماعية والسياسية التي مر بها البلد خلال العقود الأخيرة فالفن غالبا ما يكون مرآة للواقع لكنه في احيان كثيرة يتاثر بالظروف اكثر مما يعكسها بصورة دقيقة ومن بين الظواهر التي بقي حضورها الاجتماعي اكبر من حضورها الفني والاعلامي قصة العمالة المصرية التي دخلت العراق مطلع الثمانينات اثناء اندلاع الحرب العراقية الإيرانية حين احتاجت البلاد الى ايد عاملة واسعة بعد التحاق اعداد كبيرة من الشباب العراقي الى جبهات القتال.في تلك المرحلة قدم الى العراق مئات الآلاف من المصريين وعملوا في قطاعات متعددة من البناء والخدمات الى المؤسسات الحكومية وحتى بعض الوظائف الرسمية ومع مرور السنوات لم يعد وجود كثير منهم مؤقتا بل تحول الى حالة اندماج اجتماعي كاملة اذ سكنوا المدن العراقية وتزوج عدد كبير منهم من عائلات عراقية.

ورغم هذا الحضور الاجتماعي الواسع فان الفن العراقي لم يتناول هذه الظاهرة بالشكل الكافي فلا توجد اعمال درامية كثيرة وثقت حياة هؤلاء او تأثيرهم الاجتماعي والاقتصادي مقارنة بحجم وجودهم الحقيقي داخل المجتمع وربما يعود ذلك الى ان الفن العراقي نفسه مر بمراحل صعبة خاصة خلال سنوات الحصار الاقتصادي في التسعينات حين تعرض الانتاج الفني الى تراجع كبير بسبب ضعف التمويل وتدهور البنية الاعلامية ما جعل الشاشة العراقية تعتمد بشكل واسع على الدراما والاغنية المصرية وحتى الاعلانات القادمة من مصر في بعض الاوقات .

هذا الانفتاح الاعلامي خلق علاقة وجدانية خاصة بين الجمهور العراقي والفن المصري خصوصا لدى الاجيال التي نشأت وهي تتابع الاعمال المصرية بشكل يومي فالفنان المصري اصبح حاضرا داخل البيت العراقي بصورة مستمرة بينما كان الانتاج المحلي يعاني من التراجع المؤقت لذلك ليس غريبا ان نجد شريحة من الشباب العراقي تتفاعل بحماس كبير مع بعض الفنانين المصريين سواء كانوا مطربين او ممثلين ارتبطت شهرتهم بالاغاني والافلام الجماهيرية.

وقبيل عيد الاضحى انتشرت مقاطع فيديو لاستقبال حاشد لفنان مصري في العراق وهو فنان من الجيل الحديث جمع بين التمثيل والغناء وحقق حضورا واسعا بين الشباب هذا المشهد اثار انقساما واضحا داخل المجتمع العراقي فهناك من رأى في ذلك امرا طبيعيا يعكس المحبة والتأثر الفني والثقافي بينما اعتبر اخرون ان حجم الاستقبال كان مبالغا فيه ولا يتناسب مع قيمة فنية استثنائية خصوصا عند مقارنته بمواقف الاستقبال المحدودة التي حظي بها فنانون كبار واصحاب تجارب عريقة في عالم العربي.

ويبدو ان جوهر الخلاف لا يتعلق بالفنان نفسه بقدر ما يتعلق بفكرة الغلو في الاحتفاء بالشخصيات الفنية وهي مسألة يختلف حولها العراقيون بحسب رؤيتهم الاجتماعية والثقافية فالمجتمع العراقي بطبيعته مجتمع متنوع يضم تيارات محافظة ترى ان المبالغة في استقبال الفنانين لا تنسجم مع اولويات المجتمع وقيمه في حين ترى فئات اخرى ان الفن جزء من الحياة الحديثة وان التفاعل الجماهيري مع الفنانين امر موجود في كل دول العالم.كما ان وسائل التواصل الاجتماعي  وكامرات الهواتف النقالة غالية الثمن ساهمت في تضخيم هذه الظواهر اذ اصبح اي استقبال جماهيري يتحول بسرعة الى قضية رأي عام بين مؤيد ومعارض بينما كانت مثل هذه الاحداث تمر سابقا دون هذا الحجم من الجدل فالصورة اليوم لم تعد مجرد حدث فني بل اصبحت مادة معروضة  للنقاش حول الهوية والذوق العام وحدود الاعجاب وتاثير الاعلام العربي على المجتمع العراقي.

 لذا فالعلاقة العراقية المصرية علاقة اجتماعية وثقافية عميقة تشكلت عبر عقود من العمل المشترك والتداخل الانساني والاعلامي اما الجدل حول استقبال الفنانين او حجم شعبيتهم فهو جزء طبيعي من اختلاف الاذواق والرؤى داخل اي مجتمع حي خاصة مجتمع مر بتحولات كبيرة مثل المجتمع العراقي الذي ما زال يعيد تعريف علاقته بالفن والاعلام والنجومية في زمن التواصل المفتوح.


مشاهدات 41
الكاتب حسن الحيدري
أضيف 2026/05/30 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/05/31 - 2:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 114 الشهر 29439 الكلي 15874633
الوقت الآن
الأحد 2026/5/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير