الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سيد جبران ..البلابل سعيدة بأقفاصها


سيد جبران ..البلابل سعيدة بأقفاصها

نوزاد حسن

 

    اظن ان واحدة من افضل عاداتي هي كرهي الشديد لتربية الحيوانات الاليفة في المنزل.في الواقع لا اتحمل رؤية قط سعره اكثر من 100 الف دينار (الان صار السعر اقل)يتمدد على السرير وهو ينظر بلامبالاة اليّ,وكأنه يغمز بعينيه وتقول لي نظراته هذه العبارة:انا سيدك.انت تخدمني دائما.انا قط وانت انسان لكنك فضلت ان تكون خادما لي.تنظفني,وتلقحني,وتطعمني افضل طعام.انا قط مدلل جدا,والفضل في هذا يعود لك بالتاكيد,فانت خادم مطيع.وتضيف نظرات عيون القط قائلا:احيانا تهمل وضعك الصحي فلا تذهب الى الطبيب الا انك لا تتاخر في اعطائي جرعة اللقاح.انت خادم مميز بالفعل.

لغة العيون

     الكلاب ايضا لها نفس اللغة.عيونها توجه نحوي اقسى الكلمات,وهي تسخر مني باستمرار.اما طيور الزينة فحكايتها حكاية.

     خذوا البلبل مثلا.انه يعيش في قفص معلق جميل وحوله قطع من الفواكه وحبتين من تمر الخستاوي,وجو الغرفة مبرد وهو يقفز داخل القفص فرحا.في اوقات مختلفة اسمعه يغرد-البغداديون يقولون يغني-.عجيب بلبل في قفص ويغرد.وهنا تذكرت جبران وحديثه في احدى حكاياته عن ان البلابل لن تبني اعشاشا في القفص.اؤكد لكم ان جبران مخطيء ومتوهم ايضا.ولو كان القفص سجنا او مكانا ضيقا لما غرد البلبل فيه.اظن ان جبران يتحدث عن بلبل سياسي يهتم بقضايا عصره لذا فان بلبل جبران لا وجود له.ما يوجد هو بلبل من لحم ودم وموجود في قفص ملون يشبه شرفة جميلة.

     لماذا نحمّل البلبل المسكين كل هذا العبء ونفترض انه وحيد وسجين وعاجز وهو في قفص جميل والجميع يلاعبونه.؟

    كيف نستطيع فرض تفسيرنا على بلبل صغير وبعد ذلك نصدق انه كئيب وسجين ولا بد من اطلاقه في الفضاء.اعود لتاكيد ان التفكير السياسي وصورة السجين السياسي عالقة باذهاننا,وهي التي جعلت جبران يتخيل ان البلابل كئيبة في اقفاصها.

  ساقدم للسيد جبران تقريرا صغيرا عن الوضع العام خارج قفص.ايها الكاتب الحالم لم تعد الحياة في الخارج سهلة .لقد تغيرت امور كثيرة.فقد اختفت البساتين والمزارع والحقول التي كانت اوطانا لاسراب الطيور والبلابل وحتى الفراشات الملونة.زحفت الابنية والبيوت الاسمنتية وابتلعت المساحات الخضراء.صارالبقاء للاقوى وحاجة الانسان للسكن اقوى من حاجة الشجرة للبقاء.وفي مثل هذا الوضع وهذه البيئة القاسية لم يبق للبلبل مكانا امنا يضع فيه بيضه.اذ سرعان ما يتسلق طفل صغير اعلى الشجرة,ويرعب البلبل المسكين.كما ان الصيادين يتربصون لمختلف انواع الطيور لصيدها.فليس غريبا ان يمر سرب مهاجر وهو يرسم لوحة رائعة في السماء ثم تتجه فوهة بندقية لاصطياد اثنين او ثلاثة من هذه الطيور المهاجرة.هذا الصائد اؤكد لك ياسيد جبران هو يريد ان يظهر لنا انه بارع في الصيد.فقط يريد ان يجعلنا ننظر اليه باحترام لانه يملك موهبة قتل طير وهو يطير.وبعد اصابة الهدف يضحك,وتقول ضحكته لنا:ارايتم انا بارع في اصطياد حتى الاهداف المتحركة.ساصرخ في وجه هذا الصياد البليد واقول له:انت قاتل ومجرم ايضا.فالطيور كائنات وليست اهدافا متحركة.في اللحظة التي اسقط فيها ذلك الصياد لضحيته بقيت حزينا.شاهدت الطير المصاب وهو يهوي بصورة دائرية الى الاسفل ثم افرد جناحيه فوق النهر اذ كان الصياد يجلس في زورقه الخاص وهو يضحك بانتصار.ولكي لا ابتعد عن موضوعي كثيرا اقول ان عالم الطيور مهدد لان مملكة الاشجار بدأت بالانحسار.وفي المدن تعيش الطيور حالة انهيار عصبي بالكامل.انها قلقة وهي تبحث عن اماكن جيدة لحماية افراخها.كما انها حذرة جدا من اية حركة.ومن خبرتي البسيطة لانني كنت اراقب بعض الطيور وانا اضع لها الطعام في اماكن مخصصة اعلى السطح لاحظت ان هذه الكائنات غير العدائية تتصارع على الماء والطعام مع بعضها البعض.انها قلقة وهي تلتهم بعجلة حبات الارز والذرة وغيرها..عجلة مع حذر تتمتع به ادق الرادارات في العالم.هذا المنظر يشعرني بانهيار بطيء لتناسق الاشياء من حولي.وقد وصلنا الى مراحل متقدمة من هذا الانهيار.ومن الممكن القول ان حالة هياج هذه الطيور وقلقها يشبه الى حد بعيد حالة الصراع الانساني التي نعيشها.ولن اتكلم عن هذا الان.سابقى في حدود ملاحظاتي عن فوضى عالم الطيور لتتوضح الصورة جيدا,ولنتفق على ان الاقفاص هي افضل الاماكن لعيش هذه الكائنات البريئة.

     لقد اكدت تجربتي البسيطة ان الطيور التي تربي في البيوت والتي يربيها اشخاص يحبون هذه الهواية غير المقبولة اجتماعيا(اقصد المطيرجية) لا تفضل الطيران من تلقاء ذاتها.ان اسئلتي المحددة لبعض مربي ألطيور اكدت لي ان الطيور تحب البقاء قرب قفصها الكبيرفي السطح.وقد اخبرني احد مربي الطيور انه يضطر لافزاع طيوره كي يدفعها للطيران.الطيور كسولة اذن.

     لكل تلك الاسباب لن يشعر البلبل بانه حبيس قفص.وسيغرد صباحا وكأنه في بستان عامر.ولن يصاب بلبل القفص بانهيار عصبي فينتحر مثل الاسد الذي قتل مدربه المصري اثناء العرض ثم انتقم الاسد من نفسه ولم ياكل حتى مات.هذا الجو لا يوجد في حياة اي بلبل يعيش في بيت هادي,ويجد لنفسه ماوى جيدا وطعاما وفيرا.

هدوء البستان

تعيش بلابل الاقفاص مثل لاجئين يفرون من دول غير هادئة سياسية الى اماكن اكثر امنا وهدوءا.البستان خطر والقفص هو البلد الامين.وحين تحمل اقفاص البلابل الى السوق فلا احد يخمن او يعرف ما يقوله البلبل لنفسه.هو يعرف شيئا واحدا انه سيعيش مع عائلة لا تتركه يهرب منها.ستمنحه هذه العائلة الامان بالكامل,وتوفر له كل ما يحتاجه.وسيكون الجميع في خدمته.هو الملك وهم المعجبون به.ترى باي شيء تفكر البلابل وهي تعرض في السوق الصاخب.؟اي عالم خفي يوجد في سوق الغزل وهو يضم اكبر حركة لبيع وشراء الحيوانات التي تاتي من محتلف الجهات.القط الذي سخر مني يعرض هناك وينتظر مالكا جديدا.لنقل اننا امام اكبر هجرة نظامية للقطط والكلاب وطيور الزينة والبلابل.وفي غضون ايام سيشتري هواة اقتناء الحيوانات الاليفة ما يرغبون بشرائه.

     لن ينتبه احد الى ما يفكر فيه البلبل الذي يبحث عن حماية حقيقية.كذلك لن ينتبه بائع القطط الغالية الثمن للقطة السمينة التي تشعر بالملل وهي تعرض كجارية في قفص في يوم حار.انها تموء وكأنها تنوح.هذه القطة تفكر في لحظة قبولها كلاجئة في بيت من بيوت بغداد.وهناك ستتحول الى ملكة حقيقية.ستتولى البنت حمايتها.وبين وقت واخر ستوضع القطة في حمالة خاصة لنقلها الى طبيب بيطري لفحصها واعطائها اللقاح اللازم ثم تعود من هذه الرحلة الى مملكتها حيث الكل ينظرون اليها وكأنها بلقيس في عرشها.ستحمى  القطة المدللة من اي عبث تتعرض على يد قط الشارع حماية لسلالتها ودمها النقي.وهذا اقسىى فصل عنصري يمارس في عالم القطط.وستسمى اسما جميلا,كما ان القطة ستحصل على فراش دافيء تنام فيه الى اي وقت تشاء.وحين تنهض تسير ببطء في البيت وهي تسمع شريطا من كلمات الدلال والغزل.

   في مثل هذه البيئة تعيش القطط والكلاب وطيور الزينة والبلابل.ولا اعرف كيف يمكن ان يحس بلبل اصطيد في بستان في ديالى ثم اشترته عائلة هادئة بالملل او الكابة لانه وضع في قفص معلق.انه فوق الجميع.يوميا ينظف العجوز المتقاعد ارضية القفص,ويغير الماء ثم يقوم العجوز بالصفير للبلبل كي يثيره ويجعله يغرد.

  اؤكد لك يا سيد جبران ان البلابل سعيدة باقفاصها.وهي ليست سجينة.انت تتحدث عن فكرة البلبل.اضف لذلك ان هناك بلابل اليفة تطير من يد لاخرى.وتفتح فمها بمجرد ان تقدم لها لها يدك لتطعمها.مثل هذه البلابل تؤمن بالمشاركة والتواصل وتحسب انها من بقية العائلة.كل ما ينقصها هو انها لم تحصل على بطاقة تعريفية رسمية لانها في نهاية الامر مجرد كائنات لطيفة اليفة.لكن فكرة البلبل غير واقعية ابدا.انت ياسيد جبران صنعت فكرة عامة عن جميع البلابل وظننت انها غير سعيدة لانها لا تبني اعشاشا في القفص.الفكرة في واقع الحال هي مجرد مفهوم فارغ لطائر صغير يمكن ن يغرد وهو آمن في قفصه.ومن السهل تطوير فكرة البلبل بعد التفكير فيها جيدا,والتركيز عليها.وعند مشاهدة بلبل في قفص تقفز مباشرة فكرة البلبل السجين لتنسف حقيقة سعادة بلبل وهو في قفص عائلة تحافظ عليه ما لو كان اخر بلبل في العالم.

  انا اتحدث عن اسلوب خاص بنا يحاول ان يبعد الواقع من اجل فكرة ما.ليس من المفيد كثيرا صناعة فكرة لشيء واقعي ثم افتراض ان الشيء الواقعي يخضع للفكرة,وعليه ان يصل الى مستواها اي ان يصل الواقع  الى مستوى الفكرة التي تصفه.بمعنى اننا يجب ان نقول كل بلابل العالم غير سعيدة وهي خرساء في اقفاصها.لكن البلبل يغرد في قفصه.هو ليس اخرس,بل يتكلم وبعزف نغما رائعا.هذا يعني انه سعيد حتى لو لم يصنع لنفسه عشا في القفص.المهم ان لا يصمت بلبل القفص عن التغريد.واظن ان البلبل سيرد على جبران خليل جبران قائلا:انا اغرد اذن انا موجود.وفي المقابل لن يمكن لفكرة البلبل اثبات ذاتها ابدا بهذه السهولة.


مشاهدات 29
الكاتب نوزاد حسن
أضيف 2026/05/16 - 3:16 AM
آخر تحديث 2026/05/16 - 4:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 152 الشهر 14484 الكلي 15259678
الوقت الآن
السبت 2026/5/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير