لا يمكن بناء تحليل دون موقف
خالد محسن الروضان
لا يمكن لأي تحليل أن يكون محايدًا بالكامل، لأن كل مقاربة تحمل في جوهرها موقفًا من العالم. فالأيديولوجيا ليست تهمة تُلصق بالفكر، بل هي رؤية للعالم وخلاصة تراكم ثقافي يحدد زاوية النظر إلى الأحداث والوقائع.
ومن يروّج لفكرة أن الأيديولوجيا قد ماتت، إنما يتخذ هو نفسه موقفًا أيديولوجيًا دون أن يعلن ذلك. فغياب التصريح بالموقف لا يعني غيابه، بل يعني غالبًا إخفاءه خلف خطاب يبدو موضوعيًا.
يقول الجاحظ: «المُفهم أهم من الفاهم»، في إشارة إلى أن القيمة الحقيقية لا تكمن فقط في الفهم، بل في القدرة على تفسير الأفكار وإيصالها وإعادة إنتاجها. وهنا تتقاطع علاقة الأدب بالأيديولوجيا؛ فكل حكاية، وكل نص، يحمل ضمنًا تصورًا ما عن العالم، حتى لو لم يُصرّح به.
وتُروى حكاية رمزية عن أسدٍ رأى لوحةً لصيادٍ أسقط أسدًا، فقال: "لو أن الأسود تعرف الرسم، لرأيتُم لوحةً معكوسة". وهذه الحكاية تختصر فكرة أن من يملك أدوات التعبير، يملك القدرة على تشكيل السردية.
وفي عالمنا المعاصر، تتجلى الأيديولوجيا بأشكال أكثر تعقيدًا. فالصورة الإعلامية، والخطاب السياسي، وطريقة عرض الأحداث، كلها أدوات تعكس موقع القوة. حين يظهر زعيم مثل دونالد ترامب في وسائل الإعلام العالمية بصورة القوة والهيمنة، فإن ذلك ليس مجرد نقل للواقع، بل بناء لصورة أيديولوجية تعبّر عن مصالح ورؤية معينة.
وكذلك الحال في تغطية الحروب؛ فعندما تُعرض صورة الجندي الأمريكي في ساحة القتال دون إظهار الطرف الآخر، فإننا أمام سردية يكتبها المنتصر. فكما يُقال: التاريخ يكتبه الغالبون.
إن الاختلاف في المواقع الاجتماعية والاقتصادية ينعكس أيضًا على طبيعة التحليل. فالذين يعملون "في القبو" لا يرون العالم كما يراه الذين "في الأعلى". هناك دائمًا زاوية نظر مرتبطة بالموقع، وهذا ما يشكل بذرة الوعي الطبقي.
ومن هنا، لا يمكن بناء تحليل حقيقي دون تحديد الموقف. فمثلًا، انهيار أسعار النفط يُنظر إليه بشكل مختلف:
في الدول المنتجة يُعد أزمة اقتصادية.
أما في الدول المستهلكة فقد يُنظر إليه كفرصة.
وهذا الاختلاف ليس تقنيًا فقط، بل هو تعبير عن موقع ومصلحة.
إن الوعي بالموقف لا يعني الانحياز الأعمى، بل يعني الوضوح في الرؤية. فلكي تستخلص الأيديولوجيا التي تدافع عنها، لا بد أن تسأل نفسك أولًا: أين تقف؟
فالمعرفة الحقيقية لا تُبنى من فراغ، بل من موقع، ومن تجربة، ومن إدراك بأن كل تحليل هو، في النهاية، تعبير عن زاوية نظر في عالم متعدد الزوايا.