الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الرئيس الشاب.. أغلبية صامتة خارج القرار

بواسطة azzaman

الرئيس الشاب.. أغلبية صامتة خارج القرار

إيهاب عنان سنجاري

 

تبدو لحظة تسنّم رئيسٍ شابٍّ مقاليد السلطة في بلدٍ كالعراق، أشبه بموعدٍ مؤجَّل طال انتظاره بين جيلٍ مثقلٍ بالخيبات، ودولةٍ تبحث عن ملامح مستقبلٍ مختلف.

في بلادٍ يزيد فيها عدد الشباب عن نصف السكان، لم يكن غريباً أن يُستقبل وصول رئيسٍ من الجيل الجديد كأنّه بصيص أملٍ يتقد في عيون هؤلاء الشباب، لا لكونه معجزة سياسية، بل لأنه أخيراً يشبههم في العمر والتجربة والقلق على الغد.

الشباب في العراق ليسوا هامشاً ديموغرافياً يمكن تجاهله؛ إنهم الكتلة الحرجة التي ستحكم، عملياً، شكل العقد الاجتماعي القادم ، فالمؤشرات السكانية تتحدث عن مجتمعٍ منخفض المتوسّط العمري، ما يعني أن العراق يدخل الربع الثالث من القرن الحادي والعشرين وهو يحمل تركيبة عمرية تُعد ثروة بشرية إذا أُحسن توجيهها، وعبئاً خانقاً إن تُركت بلا أفق.

ولذلك، فإن رئيس الوزراء الجديد، وهو يشرع في تشكيل حكومته، لا يقف أمام مهمة توزيع حقائب فقط، بل أمام سؤالٍ أعمق: كيف يحوّل هذا الشباب من متفرّجين على القرار إلى شركاء في صناعته؟

الرهان على تعيين الشباب في مواقع الاستشارة والتنفيذ ليس مجاملةً لجيلٍ غضّ، لكنها استجابةٌ ضرورية لبنية المجتمع نفسه ، فالمنظمات الدولية، وعلى رأسها برامج الأمم المتحدة في العراق، ما فتئت تصف الشباب بأنهم أغلى موارد البلاد والرهان الأهم لبناء عراق مزدهر وشامل، في بلدٍ خرج مثخناً من الحروب والأزمات، لكنه لم يفقد بعد فرصة إعادة بناء نفسه إذا أطلق طاقات شبابه.

فضاء رقمي

غير أن الفجوة بين هذا الخطاب وبين واقع غرف القرار ما زالت واسعة: شبابٌ يملؤون الفضاء الرقمي بالأفكار والمبادرات، يقابلهم حضورٌ باهت في المفاصل التي يُصاغ فيها مستقبل الدولة.

عادة ما تُختَزَل حجة إقصاء الشباب في جملة واحدة: «لا يملكون الخبرة» لكن هذه الجملة، في كثير من الأحيان، ليست وصفاً دقيقاً بقدر ما هي غطاءٌ لآليات اختيارٍ تقوم على المحسوبية والقرابة والولاء الضيّق، أكثر مما تقوم على الكفاءة والإنجاز.

في عقدين فقط، أنجبت الجامعات العراقية عشرات الآلاف من خبراء الحاسوب والمهندسين والاقتصاد والإدارة، كثيرٌ منهم احتكّ بأسواق العمل الإقليمية والعالمية، وعمل عن بُعد مع شركاتٍ في عواصم لا تطأها قدماه، وشارك في برامج تدريبٍ دولية، ومشاريع ريادية وابتكارية متقدمة.

هؤلاء، حين يُتركون خارج دائرة القرار، لا يكون السبب ندرة الخبرة، بل ندرة الإرادة في استدعائها.

الرئيس الشاب، من موقعه، يملك امتيازاً لا يتوفر لغيره فمن المفترض أنه يقرأ هذا الجيل من الداخل، لا من وراء زجاج ، هو يعرف جيداً كيف يمكن لفرصةٍ صغيرة أن تغيّر مسار حياة شاب، وكيف يمكن لقرارٍ بيروقراطي متعجرف أن يُطفئ موهبة أو يدفع عقلاً لامعاً إلى الهجرة. ومن هنا، فإن دعوته إلى إشراك الشباب في مواقع الاستشارة لا يجب أن تُفهم بوصفها لُفتة رمزية، بل كجزءٍ من رؤية متكاملة لانتقال العراق من اقتصاد الريع والوظيفة العمومية الضيقة، إلى اقتصادٍ يُدار بالعقل والبيانات والابتكار.

في مكتب رئيس الوزراء، يمكن أن يتجاور جيلان دون أن يلغِي أحدُهما الآخر: مستشار مخضرم يحمل ذاكرة الدولة وأوجاعها، ومُستشار شاب يحمل لغة العصر وأدواته. الأول يحذر من مطبّات الماضي، والثاني يذكّر بأن المستقبل لن ينتظر تردّدنا طويلاً. فالشاب الذي عمل في شركات أو مؤسسات تقنية، أو أدار مبادرات مجتمعية واسعة، أو صنع من مشروع تخرّجه نموذجاً عملياً في سوق العمل، لا يأتي إلى مكتب الرئيس كي يتعلّم السياسة، بل ليضيف زاوية نظر كانت غائبة: كيف ينعكس القرار على تطبيقٍ في الهاتف، على فرصة تدريب، وعلى شركة ناشئة على ملمس الحياة اليومية لجيلٍ كامل.

تأمل، مثلاً، ملف البطالة بين الشباب؛ هذا الجرح المفتوح الذي تتحدث عنه التقارير الدولية باعتباره واحداً من أعلى المعدلات في المنطقة، حيث يبقى ثلث الشباب تقريباً خارج سوق العمل.

هذا الملف، إذا نُظِر إليه بعينٍ تشبه أعمار ضحاياه، سيتحوّل من عنوانٍ في خطاب حكومي إلى مشروعٍ تفصيلي: منصة رقمية تُحدِّث بيانات الخريجين والتخصصات أسبوعياً، برامج تدريب تُبنى على مهارات المستقبل لا على مناهج الماضي، شراكات مع القطاع الخاص تحفز الشركات على توظيف الشباب مقابل امتيازات واضحة، ومسار وطنيٌّ لريادة الأعمال يربط بين الجامعات وحاضنات الأعمال.

هذه الأفكار قد لا تحتاج إلى معجزة، لكنها تحتاج إلى من يمتلك الجرأة على إعادة صياغة الأسئلة، وإلى رئيسٍ يحيط نفسه بمن يجيدون ذلك.

ليس المطلوب أن تتحول دوائر الاستشارة إلى نادٍ شبابي، بل إلى فسيفساء متوازنة.

غرفةٌ يجلس فيها حامل الخبرة الطويلة بجوار خبير بيانات شاب، وحقوقية شابة تتقن لغة المنظمات الدولية، ومهندسٌ رقمي يقرأ الخريطة من شاشة أكثر مما يقرأها من ورق ، وطبيب بيئيٌّ يعرف أن أزمة المناخ في العراق ليست رفاهية خضراء، بل تهديداً مباشراً للماء والخبز والهواء.

بهذا المعنى، يصبح وجود مستشارين شباب حول الرئيس الشاب ليس استثناءً، بل امتداداً طبيعياً لمنطق اللحظة: شبابٌ في الشارع، شبابٌ في الجامعات، شبابٌ على خطوط المواجهة مع الفقر والبطالة والتغيّر المناخي والعمراني، فلماذا يغيبون وحدهم عن مكتب القرار؟

لكن هذا الحلم يمكن أن ينقلب إلى كابوسٍ إذا تُرك بلا ضوابط ، فالمستشار الشاب، مثل غيره، يمكن أن يكون عبئاً إن أتى ببوابة المحسوبية، أو بوصفه «مكافأةً اجتماعية»، لا نتيجة مسارٍ مهني واضح.

قائمة مجاملات

لذلك، فإن ذكاء الرئيس هنا يُقاس بقدرته على حماية نفسه من أقرب الناس إليه، حين يرفض تحويل مكتب الاستشارة إلى قائمة مجاملات، ويصرّ على أن يكون معيار الاختيار هو الإنجاز والقدرة على الإضافة، لا القرب الشخصي أو الإعلامي.

على الضفة الأخرى، لا يمكن إغفال البُعد الرمزي لوصول رئيسٍ شاب إلى السلطة في مجتمعٍ تغلب عليه الكتلة الشابة. فالمشهد نفسه، حين يراه طالبٌ جامعي في بغداد أو بصراويٌّ يبحث عن وظيفة، أو شابة من الموصل تتعلم البرمجة في دورة مدعومة دولياً أو مجموعة شباب في كردستان يتنافسون في تصميم خرائط هندسية عصرية، قد يحمل معنى بسيطاً لكنه عميق: من هنا يمكن أن يبدأ التغيير ، غير أن هذا المعنى سيذبل سريعاً إذا لم يجد طريقه إلى القرارات: في تشكيل الحكومة، في اختيار المستشارين، في إطلاق برامجٍ وطنية للشباب، في إعادة تعريف كلمة «فرصة».

الرئيس الشاب اليوم أمام امتحانٍ مزدوج: أن يُثبت لجيله أن السلطة يمكن أن تُدار بعقل مختلف، وأن يطمئن الأجيال الأكبر بأن حكم الشباب لا يعني الاستهانة بالمخاطر أو التهاون في حفظ الدولة.

والطريق إلى ذلك لا يمرّ بخطاباتٍ منمّقة، بل ببناء دوائر استشارية تتنفس هواء المستقبل، وتُخضِع كل اقتراح لاختبارٍ بسيط: ما أثره على حياة الناس، بعد خمس سنوات لا بعد أسبوع؟

الشباب الذين تصفهم تقارير الأمم المتحدة بأنهم أصل العراق الحقيقي وثروته الأهم لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، ينتظرون من هذه الحكومة ما هو أكثر من الكلمات. ينتظرون أن يروا وجوهاً تشبههم في الغرفة التي تحيط بالرئيس، وأن يسمعوا صدى أسئلتهم في السياسات الجديدة: في التعليم، في الصحة، في الإسكان، في البيئة، في الرقمنة والإعلام الحديث . وحين يمدّ رئيس الوزراء يده إلى هذا الجيل، لا بوصفه جمهوراً انتخابياً بل بوصفه شريكاً في التفكير، سيتحوّل بصيص الأمل الذي أطلقته لحظة وصوله إلى السلطة، إلى ضوءٍ حقيقيٍّ في نهاية نفقٍ طال أكثر مما ينبغي.

إن تعيين المستشارين الشباب على أساس الخبرة لا المحسوبية ليس منّةً تُمنح لجيلٍ محبط، بل هو استثمار دفاعي وهجومي في آنٍ واحد: دفاعٌ عن الدولة من أن تستسلم لعاداتها القديمة، وهجومٌ نحو مستقبلٍ يليق ببلدٍ نصفه شباب، ورئيسه نفسه شهادة حيّة على أن الزمن قد آن أن يتقدّم خطوة إلى الأمام.

 

  كاتب وإعلامي مختص بالذكاء الاصطناعي


مشاهدات 48
الكاتب إيهاب عنان سنجاري
أضيف 2026/05/05 - 3:41 PM
آخر تحديث 2026/05/06 - 3:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 171 الشهر 4950 الكلي 15250144
الوقت الآن
الأربعاء 2026/5/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير