الإطار التنسيقي و أوهام الإصلاح السياسي
خالد الدبوني
في السياسة العراقية، كثيراً ما يُمارس السحر داخل الغرف المغلقة، ثم يُدعى المواطن إلى أن يُصفّق أمام البرلمان وكأنه شاهد عرض سحري نظيف لا خلفيات له. الإطار التنسيقي، الذي تبنّى في السنوات الأخيرة صورة “الكتلة الشيعية الحاكمة”، يبدو اليوم أمام أول تجربة حقيقية ، حين تُمرّر قراراته المُعدّة خلف الستار، إلى ساحة البرلمان، حيث تُختَبر بالصوت، لا بالتلميح .
(السحر في الغرف المغلقة والوهم السنّي–الكردي).
منذ تأسيس النظام السياسي الجديد، أعتُمد على “التوافق السياسي” كغطاء جميل لما هو في الواقع (شبكة صفقات مغلقة) بين القوى الشيعية المهيمنة، وواجهاتٍ سنّية وكردية، تُوزّع فيها المناصب وتُقسَّم فيها المغانم، بينما تُترَك الملفات الأساسية (الاقتصاد، الدولة، الموارد، الأمن) في قبضة مراكز قوى معيّنة.
- كان الإطار يُصدّر قراراته من داخل قاعات مغلقة، وينتظر أن تُؤكّدها قوائم سنّية وكردية، وسط تصفيق محسوب، وتصريح رسمي يُجسّد “الشراكة بين المكونات”.
- استُخدمت أدوات ضغط معيّنة، مثل التهديد بـ”الثلث المعطل” أو تشكيل قوائم تصويت معيّنة، لإسقاط قرارات معيّنة، وتصفية حسابات داخلية، وتهييج شحنات معيّنة في اللحظات الحاسمة، جميعها بحجة “حماية المصلحة الوطنية”.
لكن في الواقع، كان هذا “السحر” يُمارس على من لا يملك القدرة على تجربته،
- لم تُختَبر قوة القرار داخل الإطار، بل فقط قدرة الغرف المغلقة على التفاوض، وتقسيم المكاسب.
(البرلمان يُعيد قراءة القوة)
اليوم، مع تصدّع الإطار إلى أجنحة متقاطعة،
- جناح يُصرّ على ترشيح نوري المالكي،
- وجناح يفضّل شخصية مهنية أقل إثارة للجدل،
- وثالث يبحث عن خيار جديد يُعيد قواعد اللعبة داخل الكتلة،
يسقط الوهم القديم بأن “الإطار موحّد”، ويبقى قرار الترشيح للمنصب في قبضة جزء من الكتلة، لا لـ “الشيعة ككل”.
- هنا يُصبح البرلمان ساحة اختبار حقيقي.
تصفية حسابات
حيث يمكن لخُصوم داخل الإطار، أو لقوى سنّية وكردية، أن يستخدموا نفس أدوات “السحر” ضد القوى الشيعية المهيمنة،
عبر التهديد بـ”الثلث المعطل”، أو تشكيل قوائم تصويت ضاغطة، أو تأخير الجلسة، أو تغيير موقف التصويت في اللحظة الأخيرة.
هنا ينطبق المثل: **“انقلب السحر على الساحر”**:
الإطار الذي مارس في الماضي الإقصاء وتصفية الحسابات داخل الغرف المغلقة، يُجبر الآن على خوض معركته في قاعة مكشوفة، حيث تُختَبر قراراته بالصوت، لا بالتلميح، وحيث لا يمكن تزييف قوة القرار كما كان في السابق.
: أوهام الإصلاح السياسي في العراق**
كل ما يجري اليوم، سواء من استمرار الانقسام داخل الإطار التنسيقي، أو انتقال قرار رئاسة الوزراء من الغرف المغلقة إلى قاعة البرلمان، لا يُعدّ إلا **تأكيداً على فشل جذري في بناء عملية سياسية حقيقية** في العراق.
ما يُسمّى “التوافق السياسي” لم يُنضج قوى ديمقراطية، بل حوّل البرلمان إلى مسرح مزدحم بصفقات معيّنة، وحرّك الأسماء ودوّر الكتّاب، بينما بقي النظام نفسه معلّقاً بين المحاصصة، وغياب الإرادة الشعبية، وامتناع قوى محلية وخارجية عن إحداث تغيير حقيقي.
- ما يُسمّى “الإصلاح” لم يُصلح قواعد اللعبة، بل أعاد توزيع أدوار القوى القديمة، ورفّع من قدرة بعض الأطراف على التملّص من المحاسبة، وتحويل الانتخابات إلى مساحة لتجديد العقد بين القوى القديمة، لا لبـــناء دولة قادرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع.
-بهذا المعنى، فإن “انقلاب السحر على الساحر” في الإطار التنسيقي لا يُعدّ خطوة نحو إصلاح حقيقي، بل يُشبّهه بـ لحظة ضعف** في نظامٍ مهترئ، يُعيد قراءة قواعد اللعبة، لا لأن فيه نية إصلاح، بل لأنه يُجبر على ذلك من داخله ومن خارجه.
- هل تُعدّ هذه المرحلة مقدّمة لتصحيح المسار، أم لمزيد من التشوّه في قواعد اللعبة؟
- وهل يُعدّ البرلمان، الذي يُكشف فيه اليوم عجز الإطار التنسيقي عن التمثيل، قادراً على إنتاج قرارات تُعيد بناء الثقة، أم أنه يُستعمل فقط كمساحة للعبة جديدة، تستبدل وجوه، لكنها تُبقي النظام نفسه؟