شخص واحد يتفاوض
فاتح عبدالسلام
هناك وهم كبير بشأن وجود تيارين متصارعين في النظام السياسي الديني في إيران، فالتباينات لا ترقى لكي تولد انقسامات واتجاهات متغايرة في الثوابت المحرّمة، وانما هناك شخصيات ملتصقة بالجسم الصلب لولاية الفقيه، وأخرى مرتبطة بالجسم من دون التصاق ظاهر.
لذلك، ستبقى كلمة المرشد الأعلى مهما كان وضعه الصحي ومدة غيابه، هي الفيصل النهائي الموجه لعملية التفاوض في اطارها العام وركائزها، مع ترك الهامش للمكلفين في التنفيذ بالحركة والاتصال مع العواصم لتعزيز وجهة النظر التي يتبناها في الأساس قائد النظام الثيوقراطي في إيران وليس هناك سواه.
لا شيء يمكن أن يتغير في ثوابت ولاية الفقيه في النظر الى الولايات المتحدة، الا الاجبار على تجرع السم وتكرار ما مرت به إيران في الثامن من أغسطس العام 1988. ويبدو ان الرئيس الأمريكي الذي انتهى من الصفحة العسكرية ذهب الى وضع الحكم الإيراني مجبرًا أمام خيار واحد هو دفع ثمن فتح الحصار على الموانئ الإيرانية الاستراتيجية بتوقيع اتفاق نهائي ينهي موضوع النووي وينزع فتيل القنبلة الأكبر.
المراهنة الإيرانية على عامل الوقت واحراج الرئيس ترامب، خرجت من مضمار أوراق الضغط، من خلال هذا الهدنة التي أوقف ترامب في خلالها العمليات العسكرية وشبح الستين يوما الذي يلاحقه في الكونغرس، وبات امام استحقاق جديد في حال الفشل في توقيع اتفاق نهائي، أن يبدأ ثمانية أسابيع مرتاحة من العمليات الحربية قبل ان يعاود الكونغرس بمساءلته.
لن يتغير الموقف الأمريكي، حتى لو جاء رئيس جديد، ذلك انّ الأمن القومي الأمريكي المتوافر على منظومة الحلفاء بات في مرمى الخطر الجسيم.
الوفد المفاوض الإيراني، أو الجهد السياسي المعلن يشبه الذي يحاول ان يجهد نفسه في تفسير الماء انه ماء. انها محاولات لتسويق خيار المرشد الأعلى والحرس الثوري في إبقاء اليد العليا المؤثرة لهم في أي اتفاق، حتى لو جرى تقديم تنازلات غير واضحة، وهذا يزيد قلق دول الخليج التي لا تزال في إطار عقلية الحرس الثوري وميليشياته رهينة تحت الطلب.
لن ينتصر تيار على تيار داخل إيران في صفقة الاتفاق مع واشنطن، فاذا وصلت الازمة الى نقطة اللاعودة فإنّ النظام الإيراني ذاته بكل نظريته المعادية للغرب سيوقع الاتفاق أو انّه سيرفضه ذاهباً الى المواجهة النهائية.
لا احد يتفاوض سوى المرشد الأعلى ونظرية ولاية الفقيه بكل ما تحمله من تفاصيل يجسدها الحرس الثوري، والاعتقاد يسوى ذلك مضيعة للوقت وتفاؤل لا مبرر له.