الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف أسدل الستار على جمهوريات الاتحاد السوفيتي؟

بواسطة azzaman

كيف أسدل الستار على جمهوريات الاتحاد السوفيتي؟

شيوعيون يحرقون هوياتهم عند قبر لينين

فرات المحسن

 

لم تستجب العديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي لمحاولات الرئيس غورباتشوف الإبقاء على لحمة الاتحاد، باقتراحه إجراء استفتاء شعبي على بقائه كدولة اتحادية أم العكس، وأعلنت الكثير من الجمهوريات الاتحادية رفضها لهذا المقترح وقررت الانفصال، ومنها جمهوريات البلطيق: استونيا ولاتفيا وليتوانيا، وكذلك جمهوريات منطقة القوقاز مثل جورجيا وأرمينيا وأذربيجان. وجاء الانقلاب الذي قام به البعض من أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي في 18 آب/أغسطس من عام 1991 ليكمل المشهد. فكان ذاك الانقلاب القشة التي قصمت ظهر البعير. فبعد أقل من ثلاثة أيام من فشل الانقلاب، بادر سكرتير اللجنة المركزية للحزب في روسيا الاتحادية بوريس يلتسين بالإعلان في 22 آب/أغسطس 1991، وخلال انعقاد مؤتمر نواب السوفيت الأعلى، بإلغاء ومنع وإنهاء نشاط ومهام الحزب الشيوعي في جمهورية روسيا الاتحادية. نال الإعلان تأييد غالبية أعضاء المؤتمر وقوبل بهتافات الفرح الهيسترية، بالرغم من وجود الرئيس غورباتشوف واعتراضه المتكرر وإصراره على أن الحزب ككل ليس مسؤولًا عما حدث.

لجنة مركزية

 إثر ذلك الإعلان، أغلقت مباني جميع اللجان الإقليمية للحزب الشيوعي في جمهورية روسيا السوفييتية الاشتراكية الاتحادية، كما أُغلق مبنى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في الساحة الحمراء وسط موسكو. في اليوم الرابع والعشرين من آب/أغسطس 1991، ومع تسارع الأحداث وتصاعد الضغوطات داخل اللجان العليا للحزب الشيوعي السوفيتي، حلّ غورباتشوف اللجنة المركزية للحزب واستقال من منصبه كأمين عام للحزب. خلال كل ذلك الوقت، ظهر أن بوريس يلتسين كان قد بيت لخصمه الرئيس غورباتشوف نهاية غير سعيدة وغير متوقعة، فقد عامله بخشونة وأهمل وجوده كليًا ولم يمنحه فرصة الحديث خلال المؤتمر لتبيان وجهة نظره كاملة. وجراء هذا الموقف المتشدد، ولأسباب أخرى شهدتها وقائع المؤتمر ومنها التأييد الحار والإجماع الكبير الذي حظي عليه مشروع يلتسين لحل الحزب الشيوعي الروسي. عندها عرف غورباتشوف بأن كل شيء قد انهار وما عاد قادرًا على إيقاف تدهوره، لذا ذهب يوم 25 ديسمبر من عام 1991 لوضع نهاية لحكمه، ومعها إنهاء إمبراطورية الاتحاد السوفيتي العظيم، حيث ألقى خطاب تنحيه الرسمي عن رئاسة الاتحاد السوفيتي، وعندها عُزفت للمرة الأخيرة موسيقى السلام الوطني للاتحاد السوفيتي.

 لم يكن بوريس يلتسين عندها بعيدًا عما أضمره لخصمه، بل لعموم الحزب الشيوعي، فقد منع الصحفيين الأجانب من حضور خطاب تنحي الرئيس غورباتشوف، ومن ثم امتنع عن استقباله وتسلم الحقيبة النووية منه شخصيًا، بل أرسل بدلًا عنه وزير دفاعه، خلافًا للأعراف البروتوكولية. ولم يكتفِ يلتسين بذلك الموقف المؤذي وحسب، بل منع غورباتشوف من دخول مكتبة قصر الكريملين لعقد لقاء صحفي كان قد اتفق على إجرائه مع إحدى الصحف الأجنبية، ومن ثم أمعن في اهانته حيث سحب عنه السيارة الخاصة التي يتنقل بها كرئيس. وأخذ يمعن في إذلاله حين أرسل رجاله في وقت لاحق لمداهمة مسكن غورباتشوف بغيابه والطلب من زوجته ضرورة إخلاء الدار فورًا، وهو الذي كان بيتًا حكوميًا مخصصًا لإقامة الرئيس داخل العاصمة.كانت تلك ساعات فارقة للإعلان عن نهاية حقبة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. وكان إعلان تلك النهاية حدثًا تاريخيًا ليس فقط بالنسبة لأعضاء الحزب الشيوعي وعموم شعوب الاتحاد السوفيتي، بل كان زلزالًا مدويًا اجتاح العالم وفي المقدمة منه بلدان المنظومة الاشتراكية بالكامل.

لون رمادي

 في تلك الساعات القاتمة والسماء غائمة كليًا مما أعطى العاصمة الروسية لونًا رماديًا كئيبًا. كانت الأرض مغطاة بطبقة كثيفة من الثلج فاكتست ساحات موسكو وأشجار حدائقها بطبقة كثيفة من البياض، والرياح الشرقية زادت من موجة البرد اللافح وسببت انخفاض درجات الحرارة لما دون 7 تحت الصفر. ومع تساقط ندف الثلج بكثافة، خرجت الجماهير في العاصمة موسكو على شكل حشود تدفقت متجهة نحو الساحة الحمراء للتجمع والاحتفال بنهاية تلك الحقبة. قدموا كأسراب ليحتفلوا وكأنهم يهمون باستعادة أنفسهم وكرامتهم وحقهم في أن يحلموا دون وصاية أو استئذان من أحد. الحناجر التي اعتادت الهمس خلف الجدران والأبواب الموصدة أخذت تطلق أناشيدها صادحة بصوت هادر أقبلت الحرية فبطل سحر السجان .

تصاعدت الهتافات التي تمجد روسيا، وصدحت أغاني الفرح والابتهاج. وسقطت رهبة الكي جي بي وتهاوت معها صور الاستبداد وظهر وكأن موسكو قد استردت روحها .

 عند تلك اللحظات الفارقة رسمت الجماهير المشهد الأكثر غرابة والأقسى دلالة ومأساوية لشكل الهزيمة أو الانهيار التاريخي : حيث سارت تلك الحشود دون إذن من السلطات، وكثرة غالبة منها كانوا شيوعيين، متجهين نحو ضريح الرفيق فلاديمير إيليتش لينين. وحين يقترب أحدهم من الضريح، يقوم بسحب بطاقة عضويته الحزبية ليمزقها ويرميها باتجاه الضريح. ثم جاءت لحظة التراجيديا الحاسمة لطمس ما تبقى من معالم الاتحاد السوفيتي، حين اعتلى بعض الشبان المنصة وتسلق أحدهم السارية للوصول إلى علم الاتحاد السوفيتي الأحمر ذي المطرقة والمنجل والنجمة الصفراء، ليتم إنزاله ويستبدل بعلم جمهورية روسيا الاتحادية. عندها، أسدل الستار كليًا على ما سمي باتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، واختفى ذلك العلم ولم يظهر بعدها، ولا يعرف لحد الآن أين اختفى والشخص الذي استولى عليه.


مشاهدات 91
أضيف 2026/04/25 - 12:53 AM
آخر تحديث 2026/04/25 - 2:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 166 الشهر 21263 الكلي 15239336
الوقت الآن
السبت 2026/4/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير