دعوني أحرق بيتي
محمد خضير الانباري
كان عبدالله رجلاً طيب القلب، يعرفه الجميع في الحي بابتسامته الهادئة وصوته المليء بالحنان. لم يكن غنياً، لكنه كان يملك بيتاً دافئاً وعائلة تحبه، وكان يظن أن هذا يكفي ليعيش حياة بسيطة هادئة. لكن الهدوء لم يدم طويلاً. في الحي نفسه، كانت البيوت تتهاوى واحداً تلو الآخر تحت وطأة الفقر والظلم. جيرانه الذين كبر معهم صاروا يعانون من الجوع، وبعضهم بات ينام بلا سقف يؤويه. يرى ذلك كل يوم، يسمع بكاء الأطفال في الليل، ويشاهد وجوه الرجال التي أثقلها العجز.
لم يكن يستطيع النوم. كان يشعر أن راحته خيانة، وأن دفء بيته جريمة في حق من حوله. ذات ليلة، جلس مع نفسه في صمت طويل، ثم قال بصوت خافت:
“كيف أعيش مرتاحاً وهم يتألمون؟
كيف أملك سقفاً وهم بلا مأوى؟”
ومن تلك اللحظة، بدأت فكرة غريبة تنمو في داخله… فكرة مجنونة، لكنها في نظره كانت عادلة.
قال لعائلته في أحد الأيام: “دعوني أحرق بيتي.” صُدمت زوجته، وحدق به أبناؤه وكأنهم لم يسمعوا جيداً.
قالت زوجته بخوف: “ماذا تقول يا عبدالله؟
هل فقدت عقلك؟”
أجابها بهدوء: “لا… بل وجدت ضميري. لا أستطيع أن أعيش أفضل من جيراني. سأحرق بيتي وأعيش مثلهم… في الفقر والجوع.”
بكى ابنه الأكبر وقال: “لكننا نحن عائلتك! ماذا سنفعل؟”
هز عبدالله رأسه بحزن: “سنتحمل… كما يتحملون.” حاولت عائلته بكل الطرق أن تثنيه عن فكرته. تحدثوا معه، بكوا أمامه، ذكّروه بواجباته تجاههم، لكنه كان يرى نفسه صاحب موقف إنساني عظيم.
كان يعتقد أن التضحية تعني أن يتخلى عن كل شيء، حتى لو لم يكن ذلك من حقه وحده. مرت الأيام، وهدأ الحديث، وظنت العائلة أن الفكرة انتهت. لكن عبدالله لم ينسَ.
في إحدى الليالي، حين سكن كل شيء وغرق الحي في صمت عميق، نهض عبدالله من فراشه بهدوء. نظر إلى وجوه أبنائه النائمين، وتردد للحظة… لكن الفكرة التي سكنت قلبه كانت أقوى. خرج إلى فناء البيت، يحمل في يده وقوداً بسيطاً.
كانت يده ترتجف، ليس خوفاً، بل صراعاً بين قلبه وعقله.
همس لنفسه: “هذا من أجلهم… من أجل العدالة.” ثم أشعل النار.
بدأت ألسنة اللهب تتصاعد، تلتهم الجدران التي احتضنت ذكرياته.
استيقظت العائلة على الصراخ، وهرعوا إلى الخارج في ذعر. حاولوا إطفاء النار، لكن الوقت كان قد فات.
ولم يتوقف عبدالله عند بيته فقط… امتدت النار إلى بيوت قريبة، بعضها لأقاربه وجيرانه. اشتعلت الحارة، وتحولت الليلة الهادئة إلى فوضى من النار والصراخ. وقف عبدالله بعيداً، يراقب المشهد، ودموعه تنزل بصمت.
لم يكن يشعر بالنصر… ولا بالراحة… بل بشيء غريب… فراغ ثقيل. مع شروق الشمس، كانت الحارة قد تحولت إلى رماد.
الناس في الشارع، بلا مأوى، بلا أمان… تماماً كما أراد عبدالله. لكن بينهم… كانت عائلته أيضاً. زوجته تجلس على الأرض، تحتضن أطفالها، ووجهها مليء بالصدمة والانكسار.
ابنه ينظر إليه بعينين لا تحملان فهماً، بل خيبة عميقة. اقترب عبدالله منهم ببطء.
قال بصوت مكسور: “أنا فعلت هذا… لأكون مثلهم… لأشاركهم ألمهم.” نظرت إليه زوجته وقالت: “لكننا لم نكن نحتاج أن نتألم… كنا نحتاجك أن تحمينا.” تجمد في مكانه.
في تلك اللحظة فقط… فهم أن التضحية لا تكون بفرض الألم على الآخرين، ولا بحرمان من يحبك من الأمان. فهم أن عدالته كانت ناقصة، وأن إنسانيته، رغم صدقها، كانت عمياء.
جلس على الأرض، بين الرماد، وأدرك أن ما فعله لم يكن شجاعة… بل تهوراً.
وفي ذلك الصباح البارد، لم يكن هناك منتصر واحد… فقط عائلات مشردة، ودرس قاسٍ عن التضحية غير العادلة.
أما عبدالله… فقد بقي صامتاً، ينظر إلى ما تبقى من بيته، ويتمتم: “كنت أظن أنني أفعل الخير… لكنني أحرقت كل شيء، فلم ينفع الندم .