الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العالم القديم يحتضر... لكنّه يريد أن يسحب البشرية معه

بواسطة azzaman

العالم القديم يحتضر... لكنّه يريد أن يسحب البشرية معه

معتصم الصالح

 

لم يعد العالم يُحكم كما تظن الشعوب وما يجري في العالم ليس فوضى عابرة، ولا سلسلة أخطاء بريئة، ولا مجرد تعثرات سياسية يمكن تفسيرها بضعف هذا الزعيم أو ارتباك تلك الحكومة. ما نراه اليوم هو احتضار نظامٍ قديمٍ أفلس أخلاقيا وسياسيا، لكنه ما زال يملك من القوة ما يكفي لجرّ البشرية كلها إلى حافة الهاوية كي يؤجل لحظة سقوطه.العالم الذي بشّرونا به بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن عالم عدالة، بل عالم نفوذ. لم يكن نظاما لحماية الإنسان، بل نظاما لتوزيع السيطرة. الكلمات كانت براقة: حرية، ديمقراطية، أمن دولي، استقرار، شراكة. أما الحقيقة فكانت أقل جمالا بكثير: ثروات تتكدس في الأعلى، وشعوب تدفع الفاتورة، ودول كبرى تتحدث باسم القانون الدولي ثم تدوسه متى تعارض مع مصالحها.كوفيد-19 لم يكن مجرد وباء في الذاكرة السياسية للعالم، بل كان لحظة انكشاف كبرى. انكشفت هشاشة المراكز التي ادعت أنها تقود الحضارة، وانكشف زيف التفوق الذي سوّق نفسه بوصفه قدرا نهائيا للبشرية. خلال تلك اللحظة، رأى العالم بعينيه كيف ترتبك الإمبراطوريات، وكيف تتساقط أوهام السيطرة، وكيف تصبح أكثر الدول صخبا وعجرفة عاجزة أمام اختبار غير متوقع. ومنذ ذلك اليوم، صار واضحا أن ما بعد كورونا ليس امتدادا لما قبلها، بل بداية صراع مفتوح على شكل النظام القادم.المشكلة أن القوى المهيمنة لا تريد مراجعة نفسها، بل تريد إعادة تدوير هيمنتها. تريد أن تقدم النسخة القديمة نفسها بواجهة جديدة: مزيد من الرقابة باسم الأمان، مزيد من السيطرة باسم الاستقرار، مزيد من الاحتكار باسم إنقاذ العالم. هكذا تتحول الأزمات إلى فرص لإعادة هندسة البشر، لا لخدمتهم. وهكذا يصبح الخوف أداة حكم، وتصبح التكنولوجيا وسيلة ضبط، ويصبح الاقتصاد العالمي ماكينة ابتزاز أنيقة تديرها نخب لا تُنتخب ولا تُحاسب.لقد صار واضحا أن المعركة الحقيقية ليست بين شرق وغرب فقط، ولا بين أمريكا والصين وروسيا فحسب، بل بين منطقين: منطق يريد العالم مزرعة كبرى تحرسها قلة نافذة، ومنطق يريد إعادة السياسة إلى الشعوب، وإعادة الكرامة إلى الإنسان، وإعادة القرار إلى الأمم لا إلى غرف المصالح المغلقة.إن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس السلاح وحده، بل احتكار تعريف الخطر نفسه. من يحدد من هو المارق؟ من يقرر من يملك حق الردع ومن يجب أن يُنزع منه؟ من يمنح دولة واحدة أو تحالفا واحدا صفة الشرطي الكوني؟ حين تصل البشرية إلى هذه النقطة، فهي لا تكون أمام نظام عالمي، بل أمام وصاية عالمية تتخفى في لغة القانون، بينما جوهرها الحقيقي هو إخضاع الجميع لإرادة الأقوى.أما المؤتمرات اللامعة، والمنتديات الدولية، والخطب المنمقة عن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر ومستقبل العمل، فليست كلها بريئة كما تبدو. كثير منها ليس سوى مطبخٍ فاخر لإعداد عالمٍ جديد لا يُسأل فيه الناس عما يريدون، بل يُقال لهم لاحقا: هذا هو المستقبل، تأقلموا أو اخرسوا. هكذا تُصنع السياسات التي تمس حياة الملايين بعيدا عن الملايين أنفسهم. وهكذا تتحول النخبة من إدارة الشأن العام إلى احتكار تعريف الواقع.العالم القديم يتداعى، لكنه لا يسقط في صمت. يسقط وهو يقاتل، ويبتز، ويشوه، ويعيد رسم خرائط الخوف. لذلك فإن السؤال لم يعد: هل يتغير العالم؟ السؤال الحقيقي: من سيكتب شروط التغيير؟ الشعوب أم شبكات المال والنفوذ؟ الإنسان الحر أم تحالف السلطة والتقنية والسوق؟ما نحتاجه اليوم ليس رتوشا على وجه النظام القديم، ولا خطابات منمقة عن الإصلاح، بل قطيعة فكرية وسياسية مع عصر كامل من الغطرسة الدولية. نحتاج إلى عالم لا تكون فيه كرامة البشر هامشا في حسابات البنوك والسلاح والشركات العابرة للحدود. نحتاج إلى سياسة تُدار لصالح الإنسان، لا إلى إنسان يُعاد تشكيله ليلائم مصالح السياسة.لقد انتهى الزمن الذي يمكن فيه إقناع الشعوب بأن كل ما يجري صدفة، أو أن الخراب المتكرر سوء تقدير عابر. هناك نظام يشيخ، ونخب تخاف، وعالم يتشكل من جديد. ومن لا يرى ذلك الآن، فلن يراه إلا بعد أن يُفرض عليه في صورة واقع لا يملك أمامه سوى الطاعة.المعركة القادمة ليست فقط على الحدود، ولا على الموارد، ولا على النفوذ. المعركة القادمة على معنى الإنسان نفسه: هل يبقى مواطنا في عالم متعدد الإرادات، أم يتحول إلى رقم داخل نظام عالمي بارد، شديد الذكاء، عديم الرحمة؟ذلك هو السؤال.وذلك هو ميدان الصراع الحقيقي.

 


مشاهدات 74
الكاتب معتصم الصالح
أضيف 2026/04/14 - 2:33 PM
آخر تحديث 2026/04/15 - 1:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 94 الشهر 12144 الكلي 15230217
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير