الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المحادثات الفاشلة

بواسطة azzaman

المحادثات الفاشلة

 ثامر محمود مراد

 

اجتماع دبلوماسي مهم بين الولايات المتحدة وإيران . في الساعة السادسة والنصف صباحًا، في بهو فندق في إسلام آباد، تقدّم جي دي فانس نحو الميكروفون وهو يبدو مرهقًا ومنهكًا بشكل واضح بحسب الصحفيين الحاضرين، وأنهى الأمر في ثلاث جمل. قال إن المحادثات أسفرت عن مناقشات جوهرية. وقال إنه لم يتم التوصل إلى اتفاق. ثم قال شيئًا كشف كل شيء: هذا خبر سيئ لإيران، وأكثر سوءًا بكثير مما هو عليه بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. لم تكن تلك عبارة دبلوماسية، بل كانت تحذيرًا.

وما صدر من واشنطن في الساعات التي تلت صعود فانس إلى طائرة “إير فورس 2” ومغادرته باكستان لم يكن عودة إلى الدبلوماسية، بل إعلانًا عن حصار بحري. فقد نشر دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال” أن الولايات المتحدة ستبدأ حصارًا بحريًا كاملًا على إيران، وأنها بدأت بالفعل بتطهير مضيق هرمز بالقوة. وبذلك يكون وقف إطلاق النار قد انتهى فعليًا. لم يعد السؤال ما إذا كانت المرحلة التالية من الصراع ستبدأ، بل ما شكلها، وكم ستستمر، ومن سيدفع ثمنها. والإجابة عن السؤال الأخير بدأت تتضح بالفعل.

لم تكن محادثات إسلام آباد غامضة، ولم تفشل بسبب سوء التواصل، بل انهارت عند نقطتين محددتين جدًا. وفهم هاتين النقطتين يوضح لماذا ستكون المرحلة القادمة من الحرب أكثر خطورة بكثير مما سبق.

النقطة الأولى: مخزون إيران من اليورانيوم المخصب. لم يكن مطلب أمريكا يقتصر على إغلاق المنشآت النووية الإيرانية، فقد تعرضت هذه المنشآت بالفعل لأضرار كبيرة خلال حرب استمرت 12 يومًا، بل كان المطلب يتعلق بالمخزون الحالي، الذي يقدَّر بنحو 460 كيلوجرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب المخزن في أعماق المنشآت النووية الإيرانية. كان موقف واشنطن واضحًا: يجب إخراج هذه المواد من الأراضي الإيرانية، إلى أي مكان—روسيا أو دولة ثالثة محايدة—لكن لا يجوز أن تبقى داخل إيران حيث يمكن إعادة استخدامها في برنامج تسليحي عند تغير الظروف السياسية.

أما موقف إيران فكان واضحًا أيضًا: الرفض. وقد وصلت بعثتها إلى إسلام آباد وهي تعرض صورة “خميني” على شارة كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، في إشارة واضحة إلى أنه لا يملك صلاحية تقديم التنازل الذي تطالب به أمريكا.

النقطة الثانية: مضيق هرمز، وهي ربما أكثر أهمية لأوروبا وآسيا من الملف النووي. اقترحت إيران فتح المضيق مقابل الاعتراف رسميًا بسيادتها عليه، بحيث يصبح الممر النفطي الأهم عالميًا تحت السيطرة القانونية الإيرانية، مع منحها حق الفيتو على حركة العبور. رفضت أمريكا ذلك فورًا، لأن قبول هذا الطرح يعني منح إيران سلاحًا اقتصاديًا دائمًا دون تكلفة.

انتهت 21 ساعة من المحادثات دون نتيجة. لكن فشلها لم يكن مفاجئًا، إذ جاء في ظل استعدادات عسكرية من الطرفين. خلال وقف إطلاق النار الذي استمر أربعة أيام، واصلت الولايات المتحدة نقل قوات ومعدات عسكرية، بينما أعادت إيران نشر دفاعاتها الجوية وأعادت فتح أنفاق منشآتها النووية.

كما كشفت تقارير استخباراتية أن الصين كانت تستعد لإرسال أنظمة دفاع جوي محمولة إلى إيران عبر دول وسيطة، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للطائرات الأمريكية، خاصة في عملياتها فوق مضيق هرمز.

الوضع في المضيق معقد للغاية بسبب الألغام البحرية التي نشرتها إيران، وهي ثلاثة أنواع:

ألغام قاعية تنفجر عند مرور السفن فوقها.

ألغام مربوطة مخفية تحت الماء.

ألغام عائمة تتحرك مع التيارات.

تحاول البحرية الأمريكية الآن فتح ممر آمن باستخدام مدمرات، لكن قدراتها في إزالة الألغام محدودة بعد تقاعد كاسحات الألغام القديمة.

الخطة الأمريكية تتضمن:

1.     فتح ممر بحري بالقوة.

2.     مرافقة السفن التجارية عسكريًا.

3.     فرض وجود جوي مستمر لردع إيران.

لكنها لا تشمل غزوًا بريًا، لأن ذلك سيؤدي إلى تصعيد كبير واحتلال طويل.

في المقابل، أعلنت إيران أنها لا تنوي العودة إلى المفاوضات، ولا تزال تمتلك آلاف الصواريخ. كما بدأت دول الخليج، مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر، بالبحث عن شركاء عسكريين آخرين بعد أن شعرت بأن الحماية الأمريكية غير كافية.

بل إن باكستان، التي استضافت المحادثات، نشرت طائرات مقاتلة وقوات في السعودية، في خطوة تشير إلى اصطفافها مع أحد الأطراف.

الوضع الاقتصادي يزداد سوءًا:

صادرات النفط من العراق والكويت متضررة.

قطر لا تستطيع تصدير الغاز.

أوروبا تواجه نقصًا في الوقود.

آسيا تبحث عن مصادر بديلة.

النتيجة أن الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة كلها مكلفة:

حصار بحري محفوف بالمخاطر.

حرب برية غير ممكنة سياسيًا.

مسار دبلوماسي مرفوض من إيران.

الحل الحقيقي يتطلب تنازلات، لكن لا أحد مستعد لها:

أمريكا لا تقبل ببرنامج نووي إيراني.

إيران لا تقبل التخلي عن اليورانيوم.

لا اتفاق على من يسيطر على مضيق هرمز.

الفجوة التي لم تُردم خلال 21 ساعة من المحادثات لن تُغلق بسهولة. وستُغلق فقط عندما تنفد الخيارات أو تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التنازل. ونحن لم نصل إلى تلك النقطة بعد، لكننا أقرب إليها من أي وقت مضى

 


مشاهدات 70
الكاتب  ثامر محمود مراد
أضيف 2026/04/14 - 2:33 PM
آخر تحديث 2026/04/15 - 3:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 135 الشهر 12185 الكلي 15230258
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير