زمان جديد
الذبح العربي
عبد المنعم حمندي
هل «القلق الكوني» ضريبة الشاعر الحقيقي؟
أنا لا أملك ترف العزلة ، ولا أستطيع أن أقف متفرجاً على المذبوحين في خاصرة المدن التي أحبها ، أو حين ارى ذبح العواصم التي شكلت وجداننا واحدة تلو الأخرى.
قدر الشاعر المهموم بالهم العام ، أنه يحمل «جرحاً مرجعياً» (بغداد)، ومنه يقيس بقية الانكسارات. ما نراه اليوم هو تناسخ للألم؛ فالحريق الذي بدأ في بغداد، تجده يمتد في أزقة دمشق، ويتحول إلى رماد وفوسفور في غزة، لينتهي بصلب المسيح من جديد في بيروت.
في قصيدتي الأخيرة،» بيروت وصلب المسيح الأخير» لم أكتب عن بيروت وحدها، بل كنت أكتب بـ «حبر بغدادي» عن الوجع العربي الممتد. عندما قلت «بيروت أوسع من سماء»، كنتَ أمنح كل هذه المدن (غزة، دمشق، وبغداد قبلهم) صكاً للقيامة؛ فالطين الذي لا يخون دمه في بيروت، هو نفسه الطين الذي عجن تاريخنا في الرافدين والشام وفلسطين.
أنا كشاعر، مهمتي هي «التوثيق بالنار» لا بالوصف؛ لأن الذاكرة العربية اليوم تعاني من التبلد، والكلمة الصادقة هي السكين التي تستلّ من «وثن الصمت».
هذا الهم العام هو «قدري الجميل» ووجعي النبيل. حين أجد في الشعر ملاذاً أخيراً يرمم هذه الجراح، لكن حزني سرمدي ، أرى حجم «الموت المقسط» قد فاض ، وأصبح أوسع من قدرة اللغة!
وعندما يكون الجرح أكبر من اللغة، تصبح القصيدة مجرد «محاولة» لترميم وجع الروح، أو وقفة احتجاج على عجز الأبجدية. الشاعر الحقيقي لا يكتب ليبدع فحسب، بل يكتب لكيلا يختنق بصمته أمام هذا التداعي العربي.
بغداد، دمشق، غزة، وبيروت.. هي ليست مجرد أسماء لمدن، بل هي فصول في كتاب «الوجع السامي» الذي نتصدر نحن كتابة هوامشه بدم ساخن. وهذا قمة الاعتراف بعجز «الرموز القديمة» عن احتواء جرحنا الجديد.
اللغة قد تخذلنا، لكن «الطين» يبقى هو الشاهد الوحيد الذي لا ينسى ولا يخون. حين يعجز الكلام، يبدأ «النصل» الذي صنعته غزة من طين بيروت في الكلام بالنيابة عن بغداد وكل الأخوات.أمام هذا الانكسار،
أن «الصمت الشعري» أحياناً يكون أبلغ، لأن «الشهادة بالكلمة» هي الصليب الذي يجب أن نحمله حتى النهاية.!