الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما قدّروا العراق حقّ قدره العراق العظيم

بواسطة azzaman

ما قدّروا العراق حقّ قدره العراق العظيم

خالد محسن الروضان

 

لم يُحسن كثيرون قراءة العراق، لا في تاريخه ولا في جغرافيته، ولا في مكانته الجيوسياسية التي جعلت منه، منذ فجر التكوين، نقطة ارتكاز في صراع الإمبراطوريات ومفترق طرق الحضارات.

فحين أُعلن في لائحة الانتداب البريطاني عام 1920 أن العراق “دولة مستقلة تقبل المشورة”، لم يكن ذلك سوى توصيف سياسي لكيان لم تكتمل ملامحه بعد. كانت سلطة الاحتلال هي الحاكمة فعليًا، فيما كانت الحدود تُرسم، والهوية الوطنية لا تزال في طور التشكّل.

لقد جاءت الحملة البريطانية على العراق عام 1914، واحتلال البصرة ثم بغداد عام 1917، في سياق صراع دولي أوسع، حيث سعت بريطانيا لتأمين مصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها طرق التجارة الدولية، وموقع العراق الحيوي الرابط بين الشرق والغرب، فضلًا عن الثروات الطبيعية، وفي مقدمتها النفط. كما كان إحباط مشروع سكة حديد برلين–بغداد هدفًا مركزيًا في تلك المواجهة.

ولم تكن بريطانيا، كما ادّعى الجنرال مود عند دخوله بغداد، “محرِّرة”، بل قوة احتلال نقضت وعودها للعرب، الأمر الذي فجّر ثورة عام 1920، وهي لحظة مفصلية أعادت تشكيل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومهّدت لقيام دولة عراقية بصيغة جديدة، وإن كانت تحت إشراف الانتداب.

وفي 23 آب 1921، تُوِّج الملك فيصل بن الحسين ملكًا على العراق، لتبدأ مرحلة بناء الدولة الحديثة، بمشاركة نخبة عراقية من مختلف الأطياف، جعلت من “العراق أولًا” شعارًا عمليًا، لا مجرد خطاب سياسي. وقد نجح هؤلاء في تحقيق استقلال مبكر نسبيًا مقارنة بدول المنطقة، وبناء مؤسسات دولة ذات سيادة، واحترام دولي، وقيادة سياسية ذات حضور وهيبة.

لكن هذا المسار لم يدم طويلًا.

ففي عام 1958، ومع سقوط النظام الملكي، بدأ التآكل التدريجي لبنية الدولة. ومع تعاقب الانقلابات والصراعات، أخذت مؤسسات الدولة تتفكك، حتى جاء الاحتلال الأمريكي عام 2003 ليقضي على ما تبقى، بحلّ الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة، وإطلاق عملية سياسية قامت على أسس طائفية وإثنية.

ومنذ ذلك الحين، لم يُعد تعريف المواطن العراقي بوصفه مواطنًا، بل جرى اختزاله إلى مكوّن: سني، شيعي، كردي. تقسيم لم يكن بريئًا، بل أُريد له أن يُحدث خللًا بنيويًا دائمًا في الدولة والمجتمع.

وقد زاد الأمر سوءًا اعتماد سلطة الاحتلال على قوى سياسية جرى تجميعها من الخارج، لتتولى الحكم دون مشروع وطني حقيقي. فكانت النتيجة، خلال أكثر من عقدين، دولةً تعاني من شبه غياب، واستشراء غير مسبوق للفساد المالي والإداري، وهيمنة الميليشيات على القرار السياسي.

واليوم، يقف العراق في قلب منطقة مشتعلة، بينما يُدفع، أحيانًا، إلى صراعات لا مصلحة له فيها، وكأن قدره أن يبقى ساحةً لتصفية الحسابات، لا دولةً مستقلة القرار.

إن المشكلة لم تكن يومًا في العراق، بل في من لم يدرك قيمته، ولم يحسن إدارة ثرواته، ولم يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

فالعراق، الذي كان قادرًا على أن يكون نموذجًا للدولة في المنطقة، ما زال يملك من المقومات ما يؤهله للنهوض من جديد—إذا ما توفرت الإرادة الوطنية، وتحرر القرار من الارتهان، وعاد الانتماء للعراق قبل أي انتماء آخر


مشاهدات 41
الكاتب خالد محسن الروضان
أضيف 2026/04/02 - 2:34 AM
آخر تحديث 2026/04/02 - 4:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 149 الشهر 1089 الكلي 15219162
الوقت الآن
الخميس 2026/4/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير