الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حول عبارة شمال العراق

بواسطة azzaman

حول عبارة شمال العراق

عدالت عبد الـله

 

نلاحظ من فترة في جزء من وسائل الإعلام العراقية والأحزاب السياسية، أو في شبكات التواصل الاجتماعي التابعة للقطاع الخاص وشركات السياحة، وفي الصفحات والحسابات الشخصية لعدد كبير من المواطنين العرب والتركمان، ممن يقعون تحت أنظارنا أو نتابعهم بحكم فضولنا المعرفي، أنه عند الإشارة إلى عبارة «إقليم كُردستان» أو تسمية مناطقه ومدنه وبلداته و منتجاته و مراكزه السياحية، غالباً ما يُستخدم مصطلح «شمال العراق» بدلاً من مصطلح «إقليم كُردستان» أو «كُردستان العراق»، وهما المصطلحان الرسميان والدستوريان!.

بنية تحتية

بعيداً عن أي تعصب قومي، ونحن منه براء دون شك، يمكننا أن نتفهم لماذا يستخدم معظم سكان مناطق وسط وجنوب عراقنا هذا المصطلح. تفسيرنا لهذا الأمر، قبل كل شيء، هو أن هؤلاء الناس من ابناء جلدتنا، وبسبب انعدام البنية التحتية والاستثمارات الحقيقية في القطاع السياحي بمناطق وسط وجنوب البلاد، يأتون إلى كردستان وكأنهم يبحثون عن تعويض معنوي وحاجة سيكولوجية، إذ يرغبون في الشعور بملكية هذا الجزء من الوطن. يسعدهم أن يعلنوا للعالم وللدول العربية أن العراق لا يقتصر فقط على المدن المهمشة والمحرومة من الخدمات في الوسط والجنوب، أو تلك المناطق التي غالباً ما تشهد حروباً وعدم استقرار، بل هو أيضاً ذلك الجزء الساحر والهادئ والجميل الذي يقع في شمال جغرافيا البلاد.

ربما يودّ الكثير من جيل اليوم في العراق، بعيداً عن أي مرام سياسية، أن يشعروا بأنهم يملكون «كُردستان» أيضاً، وأن يتباهوا بأن هذه الأرض تنتمي إليهم. ولكن، لكي يتجسد هذا الشعور بالملكية على مستوى الخطاب(Discourse)، فإنهم يفضلون استخدام مصطلح «شمال العراق» ویجدونه أجمل وأقرب إليهم من مصطلح «إقليم كُردستان».من هذا المنظور، يمكننا أن ننظر بنية طيبة إلى هذا البعد في استخدام المصطلح، لاسیما فيما يتعلق بالناس المدنيين البعيدين عن الدوافع السياسية. ولكن عندما يتحول و یتسلل هذا المصطلح إلى اللغة اليومية وتصريحات السياسيين، وعندما يصبح جزءاً من حديث وإعلانات القطاع الخاص وشركاته، لاسيما الشركات السياحیة، فإن استخدام المصطلح هذا يصبح فعلياً موضع شك!، ويتحول إلى نوع من التلاعب المتعمد بالوعي الاجتماعي والسياسي للمجتمع تجاه الحقائق الجغرافية والديموغرافية للبلاد.

عندما يصرّ فاعل سياسي، أو برلماني، أو مسؤول إداري في الدولة ــ وهو يعلم تماماً أن التسمية الدستورية للإقليم هي «كُردستان العراق» ــ على استخدام مصطلح «شمال العراق» عن قصد، فإن هذا الموقف يتطلب وقفة جادة. وعندما تقوم شركاتنا السياحیة في العراق، في إطار التسويق لأعمالها في الإقليم، بوضع عبارة «شمال العراق» كعنوان ثانٍ بجانب اسم كل مصيف ومنتجع ومنطقة سياحية، ويستصعبون قول «كُردستان»، فمن الواجب مساءلتهم.

بعد جغرافي

بالتأكيد، قد لا يعي الكثیر من الجيل الراهن من العراقيين تماماً أن البعد الجغرافي في التسمية له دلالاته ومعانيه الخاصة. فأحد التفسيرات لاستخدام عبارة «شمال العراق» بدلاً من «إقليم كُردستان» لا يرتبط فقط بملكية بريئة وغير مقصودة لمساحة جغرافية معينة، بل قد يكون محاولة لتناسي، إن لم نقل محو!، البعد العرقي والإنساني لهذه الجغرافيا، وتفريغها من خصوصياتها الجيوسياسية والإدارية. فضلاً عن أنه قد يعني عدم الاعتراف بالإقليم كإقليم فيدرالي، ولا بالدســـــــــتور العراقي الذي عرّفه واعترف به باسم خاص.

إن هذه الحساسية تجاه مصطلح «شمال العراق» قوية جداً لدى الرأي العام في كُردستان، وهي مرتبطة بذاكرة سياسية مؤلمة، تتمثل في «تسييس الجغرافيا» قسراً وفق لمقتضیات الثقافة التوتاليتارية للدولة، لا بناءاً علی  الحقائق المجتمعية والديموغرافية. إن شعب كُردستان يشعر باستياء كبير من هذا المصطلح، ليس من باب نفي حق المواطنة لسكان جنوب ووسط العراق في كُردستان، بل لأن هذا المصطلح يوقظ الذاكرة الحزينة ويمحو حق الخصوصية لهذا الجزء من البلد.

هذا الشعور، لدى الإنسان الكُردي، لا يقتصر على كونه إنكاراً للأرض فحسب، بل هو في نظره بمثابة إلغاء لذاته كفرد وكقومية ومكون رئيسي.

لذا، من الضروري حقاً أن يقوم برلمانيونا في مجلس النواب العراقي، سواء عبر تحريك مشروع قانون أو إصدار قرار، بوضع حد لأولئك الأشخاص والمجموعات والشركات والجهات التي تتعمد تهميش مصطلح «كُردستان» و»إقليم كُردستان» وتبرز فقط مصطلح «شمال العراق».

 


مشاهدات 33
الكاتب عدالت عبد الـله
أضيف 2026/04/02 - 1:14 AM
آخر تحديث 2026/04/02 - 2:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 1038 الكلي 15219111
الوقت الآن
الخميس 2026/4/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير