القلب الذي إنتصر على الموت
صالح رضا
أحياناً تكفي صورة صغيرة في صفحة جريدة لتوقظ في داخلنا كل ما تبقى من إنسانيتنا. كثيراً ما نتحدث عن الإنسانية، لكننا ندرك معناها الحقيقي في لحظات نادرة تهز أعماقنا. بين عامي 2000 و2003، كنت مقيماً في أبو ظبي، أتنقل بين الصحف والمجلات حاملاً أفكاري ورسوماتي. يومها، وبينما أتصفح صحيفة البيان، لفت انتباهي خبر مؤثر: أم ألمانية فقدت ابنتها في حادث دراجة نارية، لكنها تبرعت بقلبها لإنقاذ حياة رجل مريض. نشرت الصحيفة صورة للأم وهي تضع أذنها على صدر الرجل، تستمع إلى دقات قلب ابنتها التي فارقت الحياة، لكنها ما زالت تنبض في جسد آخر. المشهد أثّر بي بشدة، وفاضت عيناي بالدموع.
حتى في هذا الزمن المليء بالقسوة، حيث تتكرر الجرائم ويصل القسوة أحياناً إلى تقطيع الجسد وإخفائه، تظل هناك لحظات إنسانية تستعيد فينا الإيمان بالرحمة. كفنان تشكيلي، كلما أمسكت بالفرشاة ووقفت أمام اللوحة البيضاء، أتذكر تلك الدقات المستمرة في صدر إنسان آخر، وأدرك أن الفن يشبه القلب المتبرع به: قد يغادر صاحبه، لكنه يظل ينبض في قلوب الآخرين طويلاً.
«حين يرحل القلب من جسد إنسان، قد يواصل النبض في جسد إنسان آخر… وهنا فقط ندرك المعنى الحقيقي للإنسانية.»