الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإتقان بمعناه العميق ما زال شرطاً

بواسطة azzaman

الإتقان بمعناه العميق ما زال شرطاً

الجيّد والسيّئ في العمل الفني المعاصر

اسعد يوسف الصغير

في الفن المعاصر لم يعد السؤال بسيطًا كما كان في الأزمنة الأكاديمية: هل اللوحة متقنة؟ هل المنظور صحيح؟ هل الجسد مرسوم وفق النسب الذهبية؟ لقد تبدلت المعايير، وتحوّل مركز الثقل من المهارة التقنية وحدها إلى شبكة معقدة من المفاهيم والسياقات والوسائط والأسئلة. لذلك فإن الحديث عن (العمل الفني الجيد) و(العمل الفني السيء) في زمننا لا يمكن أن يُختزل في ثنائية الذوق والإعجاب، ولا في مهارة اليد فحسب، بل في قدرة العمل على أن يكون ضرورة فكرية وجمالية في آن واحد.

الفن المعاصر، بوصفه امتدادًا تاريخيًا لما بعد الحداثة، لم يعد يعترف بالحدود الصارمة بين الرسم والنحت والفيديو والأداء والتركيب المفاهيمي. صار العمل الفني مساحة اختبار، مختبرًا للمعنى، وأحيانًا ساحة صراع رمزي بين الفنان والمؤسسة والمتلقي. في هذا السياق يصبح العمل الجيد هو ذاك الذي ينجح في خلق توتر حي بين الشكل والمضمون، بين الفكرة وتجسدها المادي، بين ما يُقال وما يُحجب. أما العمل السيء فهو الذي يسقط في أحد طرفين: إما أن يكون تقنيًا بارعًا بلا روح، أو مفاهيميًا صاخبًا بلا جسد.

العمل الفني الجيد في الفن المعاصر ليس بالضرورة عملاً “جميلًا” بالمعنى التقليدي. الجمال لم يعد شرطًا حتميًا. قد يكون العمل صادمًا، قاسيًا، أو حتى منفّرًا، لكنه يحمل صدقًا داخليًا، وضرورة وجودية، ويُشعر المتلقي بأنه أمام تجربة لا يمكن استبدالها أو اختزالها. الجودة هنا تُقاس بمدى أصالة الرؤية، وبقدرة الفنان على تحويل تجربته الخاصة أو موقفه الفكري إلى بنية حسية مقنعة. العمل الجيد لا يكرر خطابًا شائعًا، ولا يقتات على الموضة السائدة، بل يغامر، يغامر حتى لو أخطأ.

في المقابل، العمل السيء في الفن المعاصر ليس ذلك الذي يفتقر إلى المهارة وحدها، بل ذلك الذي يتكئ على ادعاء فارغ. كثير من الأعمال المفاهيمية تسقط في فخ الخطاب النظري الزائد عن الحاجة؛ نص طويل يشرح فكرة هشة، تركيب بصري هش يستند إلى بيان فلسفي متضخم. هنا يصبح العمل مجرد “فكرة مكتوبة” تبحث عن شكل، لا كيانًا متماسكًا يولد من صراع حقيقي بين المادة والمعنى. الفن السيء هو الفن الذي يحتاج إلى تفسير مطول كي يقنعنا بأنه موجود.

قيمة جوهرية

لكن المسألة ليست بهذه البساطة. فالفن المعاصر يعيش داخل منظومة مؤسساتية معقدة: صالات عرض، متاحف، مزادات، نقاد، قيّمون فنيون، وسوق عالمي. أحيانًا يُمنح العمل صفة “الجودة” بفعل موقعه في هذه الشبكة لا بفعل قيمته الجوهرية. قد يُسوّق عمل ضعيف تقنيًا ومفاهيميًا بوصفه إنجازًا لأنه ينسجم مع خطاب ثقافي سائد أو يخدم سردية سياسية معينة. وهنا يختلط الحكم الجمالي بالحكم الأيديولوجي، ويتحول الفن إلى سلعة رمزية أكثر منه تجربة إنسانية.

العمل الفني الجيد، في هذا المناخ، هو ذاك الذي يصمد خارج إطار السوق. عمل لا يفقد قوته إذا نُزع من سياقه الترويجي. يمكنك أن تواجهه منفردًا، بلا بيان قيّم، بلا كتالوغ، فتشعر أن هناك شيئًا يتحرك داخلك. إنه العمل الذي يترك أثرًا زمنيًا، لا يُستهلك في لحظة عرض، بل يستمر في الذاكرة، في النقاش، في التأويل. الجودة هنا ليست آنية بل ممتدة.

من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل البعد التقني. صحيح أن الفن المعاصر وسّع مفهوم التقنية، فلم تعد الفرشاة وحدها أداة التعبير، لكن الإتقان بمعناه العميق ما زال شرطًا. الإتقان لا يعني الواقعية الأكاديمية فقط، بل يعني فهم الوسيط المختار. في فن الفيديو مثلًا، يكون الإيقاع البصري والصوتي جزءًا من جودة العمل. في فن التركيب، يكون التعامل مع الفضاء والمواد عنصرًا حاسمًا. العمل السيء هو الذي يتعامل مع الوسيط بسطحية، كأنه مجرد حامل للفكرة، لا شريكًا في إنتاجها.

هناك أيضًا مسألة الصدق. العمل الجيد ينطلق من تجربة حقيقية، حتى لو كانت متخيلة. نشعر بأن الفنان يخاطر بشيء من ذاته. أما العمل السيء فيتخفى وراء أقنعة جاهزة، يستعير لغة سياسية أو اجتماعية رائجة دون أن يعيشها فعليًا. إنه عمل يتحدث “عن” الأشياء لا “من داخلها”. والفرق كبير بين الاثنين. الأول شهادة، والثاني تعليق.

في الفن المعاصر، كثيرًا ما يُطرح السؤال: هل يمكن لأي شيء أن يكون فنًا؟ من الناحية النظرية، نعم، إذا وُضع في سياق فني. لكن ليس كل ما يُعرض بوصفه فنًا هو عمل جيد. الجودة لا تُمنح بقرار إداري أو بتوقيع فنان معروف، بل تُختبر في عمق التجربة الجمالية. العمل الجيد يعيد تعريف الشيء العادي، يمنحه طبقة جديدة من المعنى. أما العمل السيء فيكتفي بإزاحة الشيء من مكانه ووضعه في صالة عرض دون أن يضيف إليه رؤية.

من العلامات الفارقة للعمل الجيد قدرته على خلق حوار. ليس حوارًا سطحيًا، بل حوارًا يفتح أسئلة. لا يقدّم إجابات جاهزة، ولا يفرض موقفًا مغلقًا، بل يدعو المتلقي إلى المشاركة في إنتاج المعنى. العمل السيء، بالمقابل، إما أن يكون مغلقًا حدّ الغموض الفارغ، أو مباشرًا حدّ الابتذال. في الحالتين يغيب التوتر الخلّاق.

ثمة عنصر آخر هو العلاقة بالتاريخ. الفن المعاصر لا يعيش في فراغ. كل عمل يدخل في حوار مع تاريخ الفن، سواء اعترف بذلك أم لا. العمل الجيد يدرك هذا الإرث، يتجاوزه أو يعيد تأويله، لكنه لا يتجاهله بسذاجة. أما العمل السيء فيتصرف كأنه بداية مطلقة، فيعيد إنتاج تجارب سابقة دون وعي أو مساءلة. هنا تتحول “الجرأة” إلى تكرار متنكر.

لا بد أيضًا من التمييز بين العمل المربك والعمل الضعيف. كثير من الأعمال المعاصرة تُربك المتلقي لأنها تكسر توقعاته. الإرباك ليس علامة سلبية بالضرورة؛ قد يكون مؤشرًا على تجربة جديدة. لكن العمل الضعيف هو الذي يربك لأنه غير مكتمل، لأن منطقه الداخلي مفكك. الفرق بين الاثنين يكمن في العمق البنيوي: العمل الجيد، مهما كان غريبًا، يمتلك نظامه الخاص، بينما العمل السيء يفتقر إلى هذا النظام.

في سياقنا العربي، تتضاعف الإشكالية. الفن المعاصر غالبًا ما يتأرجح بين تقليد النماذج الغربية وبين محاولة إثبات هوية محلية. العمل الجيد هو الذي يتجاوز هذه الثنائية، فلا يكون نسخة من خطاب عالمي جاهز، ولا شعارًا تراثيًا سطحيًا. إنه العمل الذي ينطلق من تجربة محلية حقيقية، لكنه يطرح أسئلة إنسانية أوسع. أما العمل السيء فيقع في فخ الفولكلور المزخرف أو في استنساخ موضة مفاهيمية بلا جذور.

من المهم أيضًا النظر إلى الزمن كحَكَم. كثير من الأعمال التي لاقت احتفاءً لحظيًا تلاشت بعد سنوات قليلة، بينما بقيت أعمال أخرى كانت مثار جدل في البداية. الزمن يكشف عمق العمل. العمل الجيد يمتلك قدرة على إعادة القراءة، على أن يُكتشف من جديد في سياقات مختلفة. العمل السيء يستهلك نفسه بسرعة، لأنه يعتمد على عنصر المفاجأة وحده.

لا يعني هذا أن الحكم الجمالي نهائي أو مطلق. الفن مجال مفتوح للتأويل، وما يُعد جيدًا لدى ناقد قد يبدو عاديًا لآخر. لكن هناك مؤشرات عامة: التماسك الداخلي، أصالة الرؤية، إتقان الوسيط، الصدق، القدرة على خلق أثر ممتد. هذه العناصر، حين تجتمع، تمنح العمل قوة يصعب إنكارها. وعندما تغيب، حتى لو حضر البريق الإعلامي، يبقى العمل هشًا.

الفن المعاصر، بما يحمله من حرية واسعة، يضع مسؤولية أكبر على الفنان. لم يعد هناك معيار جاهز يُحتكم إليه؛ لا مدرسة ملزمة، ولا أسلوب مفروض. هذه الحرية قد تنتج أعمالًا عظيمة، وقد تفتح الباب لفوضى شكلية. العمل الجيد هو الذي يحوّل الحرية إلى التزام داخلي، إلى انضباط ذاتي. أما العمل السيء فيختبئ وراء شعار الحرية ليبرر الارتجال والكسل.

في النهاية، ربما يكون الفرق بين العمل الفني الجيد والعمل الفني السيء في الفن المعاصر هو الفرق بين الضرورة والصدفة. العمل الجيد يبدو وكأنه كان لا بد أن يوجد، وكأن غيابه كان سيترك فراغًا ما. أما العمل السيء فيمكن أن يُستبدل بغيره بسهولة، لأنه لا يضيف شيئًا جوهريًا إلى التجربة الإنسانية. وبين هذين القطبين تتحرك معظم الأعمال، تتدرج في الجودة، تتصارع مع شروطها، وتحاول أن تجد مكانها في زمن متسارع ومتقلب.

وهكذا يبقى الحكم مفتوحًا، ليس بوصفه قرارًا نهائيًا، بل بوصفه ممارسة نقدية مستمرة. فالفن المعاصر ليس ساحة يقين، بل فضاء أسئلة. والعمل الجيد هو الذي يضيف سؤالًا حقيقيًا إلى هذا الفضاء، بينما العمل السيء يكتفي بترديد صدى أسئلة قديمة بلا روح جديدة.   

استاذ مساعد في كلية الفنون الجميلة /جامعة بغداد


مشاهدات 46
الكاتب اسعد يوسف الصغير
أضيف 2026/02/28 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/03/01 - 1:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 100 الكلي 14954169
الوقت الآن
الأحد 2026/3/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير