عودة السفارة الأمريكية إلى دمشق
محمد علي الحيدري
إعلان نية البيت الأبيض المضي في إعادة فتح السفارة الأمريكية في دمشق ليس خبرًا إداريًا عابرًا، بل تحوّل سياسي كثيف الدلالات، يختصر لحظة مراجعة عميقة في مقاربة الولايات المتحدة للملف السوري بعد أكثر من عقد على القطيعة الدبلوماسية. هذه الخطوة، التي تُنسب إلى دونالد ترامب وإدارته، تضع السياسة الأمريكية أمام اختبار قديم-جديد: أين تنتهي البراغماتية، وأين تبدأ المسؤولية الأخلاقية؟
من زاوية واقعية، يمكن فهم القرار بوصفه اعترافًا صريحًا بفشل سياسة العزل في إنتاج تغيير ملموس. فدمشق، مهما تبدلت موازين القوى حولها، بقيت عقدة مركزية في معادلات الإقليم: من أمن الحدود، إلى ملف اللاجئين، مرورًا بمحاربة الإرهاب وتوازنات النفوذ مع قوى إقليمية ودولية. إعادة فتح السفارة تعني، عمليًا، استعادة قناة مباشرة للتأثير، ولو بالحد الأدنى، بدل الاكتفاء بسياسات الضغط من بعيد.
لكن هذه الواقعية لا تخلو من أثمان. فواشنطن التي طالما رفعت شعارات حقوق الإنسان والمساءلة، تجد نفسها اليوم متهمة بتقديم “تطبيع بلا شروط” مع نظام ما زالت سجلاته الحقوقية محل إدانة دولية. هنا يتجدد السؤال الأخلاقي: هل يمكن للدبلوماسية أن تُمارس بمعزل عن القيم، أم أن السياسة، في لحظات معينة، تضطر إلى خفض سقف المبادئ لصالح إدارة الأزمات؟
الأخطر من القرار ذاته هو السياق الذي يأتي فيه. فالإدارة الأمريكية لم تُقدّم حتى الآن سردية واضحة للرأي العام تشرح فيها أهداف الخطوة وحدودها. هل هي مجرد حضور قنصلي محدود؟ أم تمهيد لمسار سياسي أوسع؟ الغموض هنا لا يخدم واشنطن، بل يفتح الباب أمام قراءات متناقضة، بعضها يرى في الخطوة تراجعًا استراتيجيًا، وبعضها الآخر يعتبرها تصحيحًا متأخرًا لمسار ثبت عجزه.
في المحصلة، إعادة فتح السفارة في دمشق ليست انتصارًا ولا هزيمة، بل مقامرة محسوبة. نجاحها مرهون بقدرة واشنطن على تحويل العودة الدبلوماسية إلى أداة ضغط ذكية، لا إلى مكافأة مجانية. وبين واقعية السياسة ومأزق القيم، ستُقاس هذه الخطوة ليس بما تعلنه، بل بما تُحققه فعليًا على الأرض السورية، وفي ميزان مصداقية السياسة الأمريكية نفسها.