العرب وحتمية التغيير في ظل النظام العالمي الجديد
رشيد العجيل
هذه المقالة قراءة تحليلية في الأطروحات المركزية لكتاب مبادئ التعامل مع النظام العالمي المتغير
Principles for Dealing with the Changing World Order
للمفكر الاقتصادي الأمريكي راي داليو مع إسقاط هذه الرؤى على واقع ومستقبل الشرق الأوسط، واستلهام القيم الحضارية العربية-الإسلامية لا بوصفها خطاباً دينياً بل باعتبارها تجربة إنسانية وعلمية نجحت سابقاً في قيادة العالم.
يعلّمنا التاريخ أن التطور هو الثابت الوحيد وأن القوى العظمى لا تدوم بل تمر بدورات صعود وذروة ثم أفول. هذه الحقيقة لم تبدأ مع الغرب الحديث بل عرفتها البشرية منذ فجر الحضارة.
في بلاد الرافدين نشأت أولى التجارب الإنسانية المنظمة:
•هناك وُضعت أول القوانين المكتوبة،
•وتشكّلت الدولة والمؤسسة،
•وظهر الربط بين المعرفة والإدارة والاقتصاد.
كانت تلك الحضارات – السومرية، والأكدية، والبابلية، والآشورية – شاهداً مبكراً على أن العلم والتنظيم والعدل النسبي هي مفاتيح الصعود، وأن الجمود والصراع الداخلي مقدمة للانهيار.
انتقالية نادرة
راي داليو يعيد صياغة هذه الحقيقة بلغة الاقتصاد الحديث: البقاء ليس للأقوى عسكرياً دائماً بل للأكثر قدرة على التكيّف، والتجديد، وإدارة التوازنات. نعيش اليوم مرحلة انتقالية نادرة:
•تراجع هيمنة القطب الواحد، •تشكّل نظام متعدد الأقطاب، •إعادة تعريف القوة من السلاح إلى المعرفة والتكنولوجيا والشرعية المجتمعية.
هذه اللحظة تشبه في عمقها لحظات التحول الكبرى في التاريخ حين انتقلت القيادة من حضارة إلى أخرى. والشرق الأوسط ليس غريباً عن هذه الأدوار بل هو أحد صنّاعها الأوائل.
التحدي الحقيقي ليس في الموارد الطبيعية، بل في بناء أنظمة ذكية قادرة على:
• تحويل الثروة إلى معرفة،
•وتحويل التنوع إلى قوة،
•واستبدال الصراع الصفري بمنطق توسيع الكعكة (Win-Win).
حين ننظر إلى العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، لا نراه بوصفه توسعاً دينياً بل كنموذج حضاري عالمي:
•ازدهرت العلوم والطب والفلك والرياضيات،
•تُرجمت معارف الأمم وصُهرت في مشروع إنساني واحد،
•تأسست جامعات ومراكز بحث سبقت عصرها،
•وارتبط الحكم آنذاك في لحظات ازدهاره بالكفاءة والمعرفة لا بالنسب وحده.
القيم التي استلهمها هذا المشروع من القرآن لم تكن شعارات بل مبادئ تشغيل حضاري:
•العمل بوصفه قيمة،
•العقل أداة للفهم والتطوير،
•العدل شرط للاستقرار،
• والتعارف بين الشعوب أساس للتبادل لا للصدام.
هذه المبادئ هي ذاتها التي يتحدث عنها داليو بلغة حديثة حين يربط بين العدالة، والإنتاجية، والتعليم، والثقة المجتمعية كعوامل لصعود الدول.
روح حضارية
الدرس الجوهري من التاريخ ومن داليو أن الحضارات لا تموت فجأة بل تتآكل من الداخل حين تفقد:
• قدرتها على الإصلاح.
•ثقتها بالعقل.
•وعدالة توزيع الفرص.
وهنا تكمن فرصة الشرق الأوسط:
ليس في استعادة الماضي، بل في إعادة تفعيل روحه الحضارية بلغة العصر:
•الاستثمار في الإنسان، •بناء اقتصاد معرفة، •تطوير أنظمة حكم مرنة، •والانفتاح على العالم بندّية لا تبعية.
الخلاصة:
إن قراءة النظام العالمي المتغير من منظور حضاري شرق أوسطي تكشف حقيقة أساسية:
لسنا ضحايا التاريخ، بل جزء من صناع دوراته القادمة. وحين تلتقي الواقعية الاستراتيجية الحديثة مع إرث حضاري أثبت قدرته على إنتاج العلم والتعايش والعدل يمكن للمنطقة أن تقدم نموذجاً جديداً للعالم:
نموذجاً يوازن بين القوة والمعنى، وبين الازدهار والاستقرار، وبين التقدم المادي والمسؤولية الإنسانية. إن حتمية التغيير ليست تهديداً بل دعوة مفتوحة لمن يملك الشـــجاعة والعقل ليقود.