ثنائية الواقع والمتخيل في مجموعة ( بدراب )
قراءة في مختبر امجد توفيق القصصي
عبد العظيم محمد
قبل ان ارحل مع المنجز الابداعي الجديد ( بدراب ) المجموعة القصصية للروائي والقاص المبدع امحد توفيق ، لابد من تسليط الضوء من خلال كشاف منصف لتجربة ادبية امتدت لعقود والتي شغلت العديد من النقاد منذ بداياته في السبعينات الذي اثبت احد اهم كتاب القصة من خلال ادوات متمكنة اعلنت وبشكل مبكر الى حنكته السردية التي تفرد بالدمج بين الواقعية والرمزية .. نعم ان المتتبع لمسيرة هذه التجربة يجد كيف يصيب امجد الهدف بعمق الوعي الفني من خلال التفاصيل التي ترتدي رداء الانسانية العالية في التناول والولوج داخل انفاق اجتماعية وحياتية .. ولم تأت هذه الموهبة الفذة عابرة كما نجدها عند البعض من كتاب الرواية والقصة ، بل امتاز توفيق بلغة رصينة سلسة بلا تعقيدات ، لذا نجده عندما يسارع في دخول انفاق شخوصه يجهد نفسه ليكشف لنا درابين الحلم وذلك الواقع الذي يعكس المكان حتى يجعلنا نعيش البيئة التي يريد ونعانق ادق التفاصيل التي تعلن عن عالم رحب لا يخلو من صراعات واحداث ينقلنا من خلالها الى اماكن بأرادة طيعة لا نبرح الا ان نصل معه الى ما يريد الكشف عنه وايصاله من خلال رسائل ناطقة حية ..
وقد وجدت نفسي وانا ارحل مع السارد الكبير في مختبر امجد توفيق القصصي من خلال ثنائية الواقع والمتخيل في مجموعته القصصية الاخيرة ( بدراب ) التي صدرت عن منشورات الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق .. وللحقيقة اقول ما شدني هو عنوان المجموعة الذي حمل الغموض الرمزي الذي لم نعتد عليه .. واعتقد اراد امجد منه ان يطلق رصاصة معرفية لمن يتناول المجموعة ، وهذا هو الذكاء الكبير الذي يمتاز به توفيق ليجعلنا نبحث بتأني عن معنى العنوان ومن ثم الولوج الى داخل قصصه التي ضغطت على انفاسنا في البحث عن العمق الذهني والمكاني الذي تتجول بها شخوصه في هذه المجموعة .. جعل امجد شخوص ( بدراب ) بعيدة عن الوصف الممل كما اعتدنا ان نجد ذلك عند اقرانه ، بل حاول بلغته الرصينة التركيز على حيثيات المشهد ، الهدف من ذلك هو الوصول الى عمق الفكرة من خلال لغة فلسفية هادئة سلسة تكشف لنا ( الاغتراب ) بشقيه اغتراب عن الوطن ام الذات وكل ذلك ينحت توفيق جمله غير المطولة المعبرة دون ثرثرة جوفاء بلا معنى ، حتى وجدته يقترب احيانا بل على الغالب من قصيدة النثر التي تعلن عن الخفايا والاسرار بواقعية داخل غرفة مضاءة تدلنا الى ابعاد الحكاية بسلاسة ساحرة مغلفة برمزية متقدمة حتى اصبح الواقع الاجتماعي في التناول هو الحاضر في ( بدراب ) وذلك عندما يتناول السارد امجد انتقاده للسلطة وتأثيرها على المجتمع وكيف يصبح الفرد هو الضحية الذي يعيش الظلمة بارادته .. وهنا اجد نفسي ( محلقا ) مع قصة بدراب عنوان المجموعة ، اذ ان بدراب تعتبر المحرك .. ذلك ان الشخصية يغلفها الغموض وتلك القدرات الكبيرة الذي يجعل الفعل هو الاساس ، لانه جاء من جهة لا يعرفها احد ، بل ويذهب الى جهة هي الاخرى لا يدركها احد على الرغم من امتلاكه الى قدرة عجيبة ويظهر ذلك من خلال البناء الغامض منذ البداية .. وقد اعتمد امجد على البناء المكاني الذي يجري فيه الصراع بين الطبيعة والقوى الكبيرة المحيطه .. هنا يؤكد توفيق لغته السردية التي كما اشرنا ميلها الى التقارب الشعري المكثف وهذا ما تفرد به ايضا دون غيره والذي جعلنا من خلال ايقاع سريع الى ترسيخ البناء اللغوي الذي اعتمد بشكل واضح الى الصور التي تبقى محفورة في الذاكرة .. والمحصلة ان الرمزية في بدراب ليست تلاعب لغوي ، بل هي رؤى نقدية دقيقة بلا رتوش للواقع العراقي ، بل وحتى العربي بعد ان استطاع التوثيق في تصوير الانسان ( كائن لا حول ولا قوة ) بل ظل يعاني وسط المطرقة المتسلطة وذلك السندان الذي يتحمل قوة الطرق من اجل البقاء .. وكما يقول شاهد يروي حادث دهس شابة خرجت من حديقةقريبة وركضت عبر الشارع قبل ان تنتهي تحت عجلات سيارة مسرعة ليدون لنا اللحظات بهدوء بقوله ( انهار الرجل دفعة واحدة ، حتى ان الشاب لم يستطع منع اصطدام رأسه بالارض ) انه بهذا يؤكد توفيق الكفاءة الواعية في كشف الرموز في عالم السرد وتلك اللغة الرصينة التي تعلن عن تجربة ثرية في عالم القصة .. وفي قصة ( السؤال ) لم تكن ( طلبا ) لكشف المعلومة امام بطل يعيش الاغتراب وامام اسئلة سرعان ما تتحول الى الغاز ( لم يكن يبحث عن اجابة بقدر ما كان يبحث عن مبرر لهذا الالحاح الذي يسكنه ، الاسئلة طيور كاسرة تنقر جدار دماغه ) .. ان قصة ( السؤال ) تعتمد على ( الدايلوك الداخلي ) وتؤكد ان البطل هو ذلك الانسان الذي يبحث عن الحقيقة وسط عالم مرتبك خليط من الزيف وعدم الوضوح .. الامر الذي ظل يبحث عن الوعي وسط الشكوك ( نظر في المرآة لم يجد وجهه الذي يعرفه ، وجد سؤالا كبيرا يمتد من جبينه حتى ذقنه ) .. لقد امتعنا امجد توفيق في مجموعته القصصية من خلال سرد ملغوم بالمعنى ويدع القارىء في حيرة عارمة بلا حلول ليحعلنا نؤمن ان قدرتنا الحقيقية ليس في ( امتلاك الجواب بل في طرح السؤال ) وهذه هي الفلسفة التي تدعونا الى التأمل .
واخيرا ( بدراب ) التي تحتوي على 18 قصة توزعت على اكثر من مئتين وستين صفحة من القطع المتوسط لم تكن قصص عابرة دون هدف ، بل هي اقتحمت الذات عنوة لتعلن عن اطروحة ادبية متكاملة الاركان بلغة عالية المستوى تكشف الواقع الانساني دون رتوش وتعلن عن ولادة غنية في البناء الفني تستحق التناول والبحث والتأمل لما لها من رصانة وعمق في تحليل الواقع بصياغة ادبية قل نظيرها وحبكة فنية متقدمة وذلك الانكسار الذي تأطر بين النقد الحياتي وهيمنة السلطة التي تدمر كل فعل انساني عندما تخرج عن الهدف النبيل ويبقى هدفها الانسان الذي ظل يعشق ويتشبث الظلمة ويخاف الضوء خشية من الواقع المر الذي استطاع ان يجعل حياته داخل منطقة سوداوية ليظل ( مأزوما ) باستمرار ، وهكذا تجولت بمتعة كبيرة مع مجوعة امجد توفيق القصصية ( بدراب ) التي وضعتني بين هموم الفرد وصعوبات الحياة المعاصرة وقسوتها وانا اتابع لغة سردية محكمة وملغومة بصراعات الداخل الانساني وتلك المواجهة مع الواقع المر