البغدادي أطلق عليه لقب الجاحظ الجديد
رحيل مبدع الخط العربي عبد الكريم الرمضان
بغداد - علي الدليمي
البصرة - أمجاد ناصر
نعت الاوساط الفنية والثقافية والفنية أحد اعمدة الخط العربي ومدرس ورئيس قسم الخط العربي والزخرفة في معهد الفنون الجميلة بالبصرة سابقا، الخطاط عبد الكريم حسن الرمضان، الذي غيبه الموت السبت الماضي عن عمر 87 عاماً بعد تدهور حالته الصحية .وتناقلت صفحات التواصل الاجتماعي للنقابات والمؤسسات الثقافية والفنية والعديد من الخطاطيين والادباء والشعراء والفنانيين المقربين للراحل والمعنيين بالخط العربي والفن التشكيلي، وفـــــــــــــــاة الرمضــــــان، الذي يعد من القلائل الذين حصلــــــوا على إجازة الخط على يد الخطاط التركي الشهير حامد الآمدي، وتلميذ الخطاط هاشم محمد البغدادي الذي كناه بالجاحظ الجديد.
وأشار الأكاديمي روضان بهية داود، في كلية الفنون الجميلة بغداد( أفل كوكب فني لامع في سماء الخط العربي في العراق ، وبرحيله تُطوى صفحة مشرقة من صفحات العطاء الخطي المتميز، ولكن ستبقى آثاره شواهد حية تدل على إسهامات تشير له بالعرفان، وتقدم لنا شهادات تنطق بإنجازات قيّمة وتعبر عن عشق لفن شدنا جميعا بغموضه وجعلنا نأتلف وكأننا قبيلة واحدة لا تحدنا حدود).مضيفا( نشأ محبًّا للخط والزخرفة، وبدأ مشواره في تعلم فن الخط منذ وقت مبكر من حياته، وكان يزيّن دفاتره بالحروف والزخارف، الذي لفت انتباه معلميه إلى دقّته في الكتابة وجمال خطوطه، وحصل على شهادات تفوق في مادة الخط والرسم منذ المرحلة الابتدائية، التحق بعد دراسته المتوسطة بالمدرسة المهنية في البصرة (فرع الفنون التطبيقيـــــــــــة أو الزخرفة والخط)، وهي مؤسسة كانـــت تخرّج طلبة مهــــرة في الفنــــون الحـــــــــرفية، تخرّج منها بشهادة فنية مؤهِّلة لمواصلة الدراسة في التعليم الفني العالي، وبدأ يتصل بالخطاطين الكبار في البصرة ويتتلمذ على أيديهم، والتحق بـمعهد الفنون الجميلة - بغداد في خمسينيات القرن الماضي لإكمال دراسته الأكاديمية في تخصص الخط العربي والزخرفة، وتعمّق في دراسة قواعد الخطوط الستة (الثلث، النسخ، الرقعة، الديواني، التعليق، الكوفي) اطّلع على نماذج لكبار الخطاطين والقدامى منهم كياقوت المستعصمي، وابن البواب، ودرّس علم التناسب والتكوين في معهد الفنون، و فن الزخرفة الإسلامية وتاريخ الفنون الإسلامية ليُكمل فهمه للبنية الجمالية للحرف، درّس أجيالا من الخطاطين العراقيين وكان مرجعًا علميًا لتقنيات الحرف وأصوله الكلاسيكية) .
جيل العمالقة
لم يكن الرمضان مجرد فنان يمسك بالقصبة، بل كان «وميضاً شفيفاً» كما وُصف، كرس حياته ليكون امتداداً لجيل العمالقة مثل ابن مقلة وابن البواب، مطرزاً تاريخ أمتنا بحروف من نور.
ولد الراحل في قضاء ابو الخصيب بالبصرة عام 1939، ومنذ طفولته في المرحلة الابتدائية، وقع في غرام الحرف العربي. بدأت رحلته بمحاكاة عناوين المجلات والكتب، متأثراً بخطوط العمالقة صبري الهلالي وهاشم البغدادي. صقلت موهبته ممارسة العمل الميداني حين عمل في بداياته مع الخطاط «صلاح»، حيث تعودت يده على سطوة الفرشاة في اللوحات الإعلانية الضخمة التي كانت تصل لأمتار، مما منحه ثقة مبكرة في السيطرة على المساحات.
كانت المحطة الأبرز في حياته هي صلته بالخطاط الشهير هاشم محمد البغدادي، الذي شهد له بالمقدرة الفذة وشجعه على الاستمرار. ولم يقف طموح الرمضان عند حدود العراق، بل شد الرحال إلى إسطنبول عام 1974 ليلتقي بـ «شيخ الخطاطين» حامد الآمدي. هناك، نال الرمضان اعترافاً دولياً بحصوله على إجازة في الخط العربي من الآمدي، لتكون الإجازة الثالثة التي تمنح لخطاط عراقي تاريخياً بعد هاشم البغدادي ويوسف ذنون.
لم يبخل الرمضان بعلمه على الأجيال، فقد كان طاقة دؤوبة في نشر فن الخط، من خلال التدريس، حيث شغل منصب رئيس قسم الخط العربي والزخرفة في معهد الفنون الجميلة بالبصرة لمدة 15 عاماً، وحاضر في جامعة البصرة لسنوات طويلة. كذلك في المعارض، أقام معرضه الشخصي الأول عام 1967، متبعاً إياه بسلسلة معارض في بغداد والبصرة، كان أشهرها معرضه عام 1976 الذي قدم فيه «قصة الكتابة العربية» من النشوء إلى المعاصرة. حصل على العديد من الجوائز والشهادات التقديرية داخل العراق وخارجه منذ 1970 وحتى قبل رحيله، مصمم للعديد من الكتب العلمية والتاريخية وألأدبية، يعتبرمن الرواد في الخط العربي في مهرجان بغداد العالمي للخط العربي والزخرفة ألأسلامية، مشارك دائم في معرض ملتقى الشارقة لفن الخط العربي الذي يقام كل سنتين .وتخرج على يديه قامات فنية منهم عبد الكريم ثابت، وفاضل شهاب، وابنه وائل.
كان الرمضان يرى في خط «الثلث» ذروة السنام في الفنون الخطية، وكان شديد التأثر بالريازة الإسلامية التي شاهدها في مساجد تركيا مثل أيا صوفيا وجامع السلطان أحمد. وفي حوارات سابقة له، كان يستذكر بإجلال لوحات الأستاذ هاشم البغدادي ومصطفى الراقم، معتبراً أن الحــــرف العربي يمتلك بعداً روحياً يربط الفنان بهويته وتراثه. كان عبد الكريم الرمضان حركة فاعلة ومودة حميمة مع الحرف.. رحل تاركاً خلفه إرثاً من الشــــعارات الرســـــــــمية، واللوحـــــات المقتنـــــــاة عالميــــــــاً، وذكراً طيباً في قلوب تلامذته.»