الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
دراسة قانونية في ظل التعطيل التشريعي

بواسطة azzaman

مجلس الإتحاد في الدستور العراقي 2005

دراسة قانونية في ظل التعطيل التشريعي

سعد البخاتي

 

ينص الدستور العراقي لسنة 2005 على أن السلطة التشريعية الاتحادية تتكون من مجلس النواب ومجلس الاتحاد. غير أنّ مجلس الاتحاد – رغم درجانه الصريح في الدستور – لم يتم تنظيمه بقانون أو تفعيل عمله حتى الآن، بعد أكثر من عقدين من عمر الدستور. وتثير هذه الحالة الكبرى من التساؤلات الدستورية والقانونية حول:

مدى وضوح الصلاحيات والمهام التي خصّها الدستور لمجلس الاتحاد.

أثر تعطيل تشريعه على النظام الاتحادي ومبدأ توازن السلطات.

الأسباب الدستورية والسياسية وراء عدم سنّ القانون الخاص به.

أولاً: المصدر الدستوري لمجلس الاتحاد

تنص المادة 48 من الدستور العراقي 2005 بوضوح على أن:

السلطة التشريعية الاتحادية تتألف من مجلس النواب ومجلس الاتحاد. وهذا النص يؤسس من حيث المبدأ إلى هيكلية تشريعية مزدوجة (Bicameralism)، وهو نموذج شائع في الأنظمة الاتحادية لضمان تمثيل وحدات الدولة الإقليمية/المحافظات المختلفة في القرار التشريعي، إلى جانب تمثيل الشعب كاملًا عبر مجلس النواب.

ثانياً: أهداف ومبررات وجود مجلس الاتحاد.

دساتير اتحادية

الأطر العامة لإنشاء مجلس الاتحاد في الدساتير الاتحادية تستند إلى عدة مبادئ:

1. تمثيل مصالح الأقاليم والمحافظات

النظام الاتحادي، وفق المعايير الدولية، يهدف إلى حماية المصالح الإقليمية في التشريع الاتحادي، بحيث يكون هناك هيئة تمثل تلك الوحدات في السلطة التشريعية.

2. تحقيق توازن تشريعي

وجود مجلسين تشريعيين يمنح شرعية أوسع ويقلّل من تركّز السلطة في جهة واحدة، ويتيح رقابة إضافية على مشاريع القوانين.

3. نماذج مقارنة

في العديد من الدول الاتحادية (مثل الولايات المتحدة، ألمانيا، الهند)، يعمل المجلس الأعلى/مجلس الولايات على تقديم مراجعة تشريعية أو موافقة مشتركة مع المجلس الأدنى لإقرار القوانين الاتحادية.

ثالثاً: الصياغة الدستورية لصلاحيات ومهام مجلس الاتحاد

على الرغم من النص في المادة 48 بإقرار مجلس الاتحاد كجزء من السلطة التشريعية، إلا أن الدستور لم يحدّد بصيغ تفصيلية اختصاصات مجلس الاتحاد، ولم يُوضّح نطاق صلاحياته مقارنةً بمجلس النواب، ولا آليات عمله الرقابية أو التشريعية.  

بالمقابل، نصّ الدستور بشكل واضح ومفصّل على اختصاصات مجلس النواب، ومنها:

تشريع القوانين الاتحادية.

التصويت على الموازنة العامة للدولة.

الرقابة على أداء السلطة التنفيذية.

الموافقة على المعاهدات الدولية وتعيينات كبار المسؤولين.

لكن الدستور لم يعطِ نصوصًا مماثلة واضحة عن دور مجلس الاتحاد في هذه الصلاحيات، أو كيفية اشتراكه في سن القوانين أو الموافقة عليها، مما خلق ما وصفه الباحثون بأنه قصور دستوري واضح في تنظيم عمل هذا المجلس.

رابعاً: أثر عدم سنّ قانون مجلس الاتحاد

1. خلل في بنية السلطة التشريعية

منع عدم تنظيم مجلس الاتحاد من مشاركته الفعلية في التشريع الاتحادي، مما أدّى إلى أن مجلس النواب هو السلطة التشريعية الوحيدة القائمة فعليًا، على الرغم من أن الدستور وضع نظامًا ثنائيًا.

2. انتقاص من تمثيل المحافظات والأقاليم

الغرض الأساسي من وجود مجلس الاتحاد هو تمثيل مصالح وحدات الدولة الاتحادية (خصوصًا المحافظات غير المنتظمة في إقليم) في التشريع، وهو ما لم يتحقق الفعلي حتى الآن.

جريدة الصباح

3. تداعيات على التوازن المؤسسي

غياب المجلس الأعلى أو المراجع الاتحادي يخلّ بمبدأ توازن السلطات الذي أراده الدستور في هيكل السلطة التشريعية، ويمنح المجلس الأدنى (مجلس النواب) صلاحيات تشريعية حصرية عمليًا في غياب مجلس الاتحاد.

خامساً: أسباب تعطيل تشريع مجلس الاتحاد

1. افتقار النصوص التفصيلية في الدستور

عدم وجود تنظيم تفصيلي في الدستور عن كيفية تأسيس المجلس، وطبيعة صلاحياته، وموقعه مقارنة بمجلس النواب، جعل من تشريعه تحديًا دستوريًا وقانونيًا في آن واحد.

2. خلفيات سياسية

أفادت الدراسات القانونية والسياسية بأن التحديات السياسية بين الكتل داخل مجلس النواب ومن القوى السياسية المختلفة حالت دون التوصل إلى اتفاق حول صيغة قانونية تلائم توزيع الصلاحيات بين المجلسين، كما أن هناك مخاوف من أن يؤدي تفعيل مجلس الاتحاد إلى تحويل مركز القرار التشريعي أو التأثير على موازين القوى البرلمانية الحالية.

3. تأثير الميزانية والاعتبارات التنظيمية

تناقش بعض الآراء القانونية والسياسية أن إنشاء مجلس اتحاد بمواصفات محددة قد يضع أعباء مالية إضافية على الدولة، الأمر الذي استُخدم في بعض النقاشات كحجة لعدم التعجيل بتشريعه، رغم أن ذلك لا يلغي الالتزام الدستوري.

العربي الجديد

سادساً: أمثلة تطبيقية ومعاصرة

1. قضية تشريع قوانين مهمة

في غياب مجلس الاتحاد، يقوم مجلس النواب وحده بإصدار قوانين هامة مثل قوانين الحكم المحلي والإقليم والموازنات العامة وإصلاحات النظام الاتحادي، ما أثار جدلًا حول تمثيل المحافظات وآلية توازن الصلاحيات التي كان من المفترض أن يوفرها المجلس العالي.

2. الآثار على التمثيل الإقليمي

التجربة العراقية العقود الماضية أظهرت أن غياب مجلس الاتحاد حدّ من طريق التعبير السياسي للمحافظات غير المنتظمة في إقليم، مقارنة بالإقليم الكردستاني الذي له مؤسساته.

جريدة الصباح

 وفي الخاتمة، إن مجلس الاتحاد في الدستور العراقي لعام 2005 كان من المفترض أن يكون جزءًا أساسيًا من السلطة التشريعية الاتحادية، يوازن بين تمثيل الشعب عبر مجلس النواب وتمثيل الوحدات الإقليمية والمحافظات. لكن غياب النصوص التفصيلية وعدم الاتفاق السياسي على تشريعه جعلاه مجرد نص دستوري معطل. وبالتالي:

حدث خلل في هيكل السلطة التشريعية.

ضعفت تمثيلات المحافظات في التشريع الاتحادي.

ظل مجلس النواب وحده يمارس دور التشريع والرقابة والتعيينات.

ويشكل هذا الوضع أحد أبرز التحديات الدستورية والقانونية في العراق بعد 2005، ويشير إلى حاجة ملحة لتشريع قانون ينظم مجلس الاتحاد ويحدد مهامه وصلاحياته بوضوح، بما يضمن التوازن المؤسسي والعدالة الدستورية.

 


مشاهدات 47
الكاتب سعد البخاتي
أضيف 2026/02/07 - 4:37 PM
آخر تحديث 2026/02/08 - 1:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 71 الشهر 5310 الكلي 13936954
الوقت الآن
الأحد 2026/2/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير