الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفيض كقيمة ثقافية معاصرة


الفيض كقيمة ثقافية معاصرة

حيدر عبد الرحمن الربيعي
 

يميل الإنسان، في لحظاتٍ معينة من رحلته مع نفسه، إلى التفرقة بين ما يملك وما يتلقّى. فالملكية تتعلق بالأشياء، بينما التلقي يتعلق بالأنوار والمعاني. ولهذا ظهرت في التصوف والفلسفة والأدب فكرة الفَيْض؛ باعتباره انسكابًا في الوعي، لا زيادة في الكم.

في اللغة، الفيض هو السيلان والامتلاء حتى الانسكاب، أما في الروح فهو الزيادة التي تأتي من غير طلب، والعطاء الذي لا يخضع لحساب، والكشف الذي لا يجيء بالصنعة وحدها وإنما بالحضور. ولهذا قال بعض المتصوفة إن الفيض لا يحدث عندما نأخذ، بل حين نتلقى؛ ولا حين نمتلك، بل حين نُشرق بما وهبته لنا العناية من معرفة أو حب أو بصيرة.

الفيض بين التصوف والفلسفة

يرى ابن عربي أن الوجود كله فيض من الحق، وأن تنوع العالم ليس إلا صورًا للفيض الإلهي. أما الغزالي فاعتبر العلم نورًا يقذفه الله في القلب، وهذا القذف هو الفيض المعرفي الذي لا تمنحه المدارس وحدها. ويتحدث النفّري عن ضيق اللفظ حين تتسع الرؤية، والتضييق هنا لحظة الفيض الأولى، لأن المعنى يخرج أوسع من اللغة التي تحمله.

الفلسفة بدورها لم تبتعد عن الفكرة وإن غيّرت لغتها. فباشلار يرى أن المخيلة حين تفيض تعيد خلق العالم، فيما يقول ريلكه إن الشاعر لا يصف الأشياء بل يفيضها، فيجعلها أكثر امتلاءً مما كانت عليه. وذهب نيتشه إلى اعتبار الإنسان الأعلى فيضًا للإنسانية، لأنه لا يكررها بل يزيد عليها.

الفيض في الأدب

من يتأمل الشعر يعرف أن الفيض هو جوهر العملية الشعرية. فالشاعر لا يستخرج الكلمات بل تستخرجه الكلمات. لذا قال الرومي: إذا لم يكن في القلب شيء لم يأت على اللسان شيء. أما ابن الفارض فهندس الحب بوصفه فيضًا لا يقدر عليه الكلام.

وفي الأدب العراقي، قدّم السيّاب مثالًا دالًّا على الفيض حين جمع بين الجسد والبحر والأسطورة. ففيأنشودة المطرليس البحر مكانًا، بل استعارة للفيض نفسه؛ فهو فيض ذاكرة ومرض وطفولة وحلم، ويكاد يكون فيضًا للموت أيضًا. وهذا النوع من الكتابة لا يصف العالم بل يفيضه.

فيض الذاكرة عند عبد الرحمن مجيد الربيعي

أما في تجربة والدي الاديب الراحل عبد الرحمن مجيد الربيعي، فيكاد الفيض يكون ذاكرة قبل أن يكون لغة. ففيمن ذاكرة تلك الأياملا تُقدّم الذاكرة كصندوق يُفتح، بل كنهرٍ ينساب على مهل. وفيأية حياة هي؟يتحول السؤال ذاته إلى فيض، فتغدو الطفولة، رغم بساطتها، أشد حضورًا من الشيخوخة لأنها لا تزال تفيض على الحاضر بمعانيها الأولى. إن الربيعي لم يكتب ذكرياته، بل تركها تفيض عليه حتى صارت سردًا.

الفيض كخبرة إنسانية

ليس الفيض ظاهرة صوفية أو أدبية فقط، بل هو خبرة وجودية نحياها حين نتلقى معنى يتجاوز حاجتنا اليومية. يحدث ذلك عند لحظة حب، أو لحظة فهم، أو لحظة ألم شديد يتحول إلى معنى. ولعل هذا ما يجعل الفيض ضد الادخار، وضد البخل المعرفي؛ فهو عطاء لا يستهلك صاحبه، بل يزيده حضورًا.

الفيض في القرآن الكريم

في القرآن إشارات كثيرة للفيض دون استخدام المصطلح ذاته، مثل قوله تعالى: “ويزيد الله الذين اهتدوا هدىوهي زيادة لا تتعلق بالعلم وحده، بل بالهداية. وفي قوله: “وأيدهم بروحٍ منهيقترن الفيض بالتأييد الروحي، لا بالبرهان العقلي.

الفيض والمشهد الثقافي اليوم

ما نحتاجه ثقافيًا ليس المزيد من المعلومات، بل المزيد من الفيض. فالمعرفة حين تنحبس تتحول إلى تراكم، وحين تفيض تتحول إلى معنى. ولهذا يحتاج الإنسان المبدع إلى إشراقة تسبق الفيض. الإشراقة نورٌ يأتي، أما الفيض فنورٌ يعطى.

وفي الخاتمة نقول

لا يفيض الإنسان إلا بما أفيض عليه. ولا يفيض القلب إلا بما احتمل من نار ونور. ولعل رحلة الروح كلها ليست بحثًا عن الامتلاء، بل بحثًا عن لحظة الفيض التي يتحول فيها الامتلاء إلى عطاء. ومن هنا يتبين أن الفيض ليس مرحلة في الطريق فحسب، بل مقصد من مقاصد النفس التي تريد أن تُفهم العالم لا أن تكدّس صورته.


مشاهدات 79
الكاتب حيدر عبد الرحمن الربيعي
أضيف 2026/01/25 - 3:08 PM
آخر تحديث 2026/01/26 - 4:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 19574 الكلي 13526997
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير