الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ملامح مدينة تتشكّل من جديد

بواسطة azzaman

ملامح مدينة تتشكّل من جديد

عادل العبيدي

 

حين ننظر إلى بغداد اليوم بعيونٍ مجرّدة من المواقف والانحيازات، نراها مدينةً تحاول أن تعيد تعريف شكلها في زمن متغيّر. ليست بغداد التي نعرفها فقط من الذاكرة، ولا تلك التي تسكن الصور القديمة، بل مدينة تتكوّن على مهل من إسمنت وزجاج وحديد، ومن طموحٍ عمراني يسعى للحاق بروح العصر.

العمارات الحديثة التي ارتفعت في أطرافها ووسطها لم تعد مجرد كتل صمّاء، بل محاولات – ناجحة أحيانًا ومتعثّرة أحيانًا أخرى – لإعادة رسم الأفق البغدادي. واجهات زجاجية تعكس شمس دجلة، أبراج سكنية وتجارية تشق السماء، ومجمعات حديثة تحاول أن تمنح المدينة إيقاعًا بصريًا جديدًا يختلف عن الطابع الأفقي القديم.

ومع ذلك، تبقى بغداد مدينة التناقض الجميل. فبين بناية حديثة وأخرى، تطل الأزقة العتيقة، وتظهر البيوت القديمة بشناشيلها المتعبة، كأنها تذكير صامت بأن الحداثة هنا لا تمحو الذاكرة، بل تعيش معها في حالة تداخل دائم. هذا التعايش بين القديم والجديد يمنح بغداد فرادتها؛ فهي لا تنصهر كليًا في نموذج المدن الحديثة، ولا تتجمّد في ماضيها.

الجسور، الطرق السريعة، والمشاريع العمرانية الجديدة أضافت بعدًا حركيًا للمدينة. لم تعد بغداد تُرى فقط من مستوى الشارع، بل من علُوّ العمارات، ومن امتداد الطرق، ومن انفتاح الفضاءات العامة التي بدأت تستعيد حضورها كأماكن للحياة اليومية، لا مجرد ممرات عابرة.

بغداد الحديثة ليست مكتملة بعد، وربما لن تكون يومًا مدينة «نهائية». لكنها مدينة في طور التشكّل، تشبه لوحة تُرسم طبقةً فوق طبقة. جمالها اليوم لا يكمن في الكمال، بل في المحاولة؛ محاولة أن تكون مدينة معاصرة دون أن تفقد روحها، وأن تلبس ثوب الحداثة دون أن تتخلّى عن عمقها الإنساني.

إن النظر إلى بغداد اليوم من زاوية الشكل وحده يكشف مدينةً حيّة، تنمو رغم كل شيء، وتعيد بناء صورتها بهدوء، كأنها تقول:

أنا هنا… أتغيّر، لكنني ما زلتُ بغد.

 

 

 


مشاهدات 26
الكاتب عادل العبيدي
أضيف 2026/01/23 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/01/24 - 1:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 59 الشهر 17945 الكلي 13525368
الوقت الآن
السبت 2026/1/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير