الشطري ربّان السفينة
قصي منذر
قد ينداح إلى ذهن القارئ.. هل هذا تنبؤ أم مجرد تكهن؟ الجواب أبسط مما يبدو، فالمشهد السياسي لا يخبئ اسراره لمن يعرف اين ينظر، ومن يتابع اجتماعات الإطار التنسيقي الأخيرة، يكتشف شيئًا واحدًا أن البوصلة تائهة إلا عند شيء واحد وهو التوافق على شخصية تتجاوز اللحظة والتجربة العابرة، شخصية قادرة على إدارة الملفات الصعبة بثبات وحكمة.
فالداخل العراقي يشبه سفينة تتقاذفها العواصف؛ اقتصاد يترنح تحت الديون، ودولار يقفز بلا استئذان، وخدمات معلّقة أمام ضغط المستحقات، ومواطن لم يعد يحتمل المغامرات السياسية ولا تجارب الهواة، وفي قلب هذه الفوضى يبرز السيد حميد الشطري، كخيار استثنائي لا لأن الأسماء شحّت، بل لأن الرجل يمتلك ما افتقدته الدولة لسنوات طويلة، قراءة دقيقة للمشهد وثبات يشبه صلابة القادة الذين يمسكون القرار من جذوره لا من هوامشه.
فالشطري، رجل دولة تشكّل وعيه في قلب الملفات الصعبة، يعرف أين يبدأ الخلل وكيف يعالج، ويمسك بخيوط التوازن في لحظات تنفلت فيها أعصاب الآخرين، كما تمنحه علاقاته الإقليمية والدولية، موقعًا يتيح للعراق أن يقف على أرض صلبة دون الانزلاق في صراعات لا تخصه، وهذا ما يجعل حضوره مختلفًا؛ فهو لا يلوّح بالشعارات، ولا يتسابق على الأضواء، بل يتحرك بمنهج رجل يعرف حجم الدولة ومسؤولية القرار، وهي صفات نادرة أن تجتمع في شخصية واحدة، ولذلك يراه كثيرون ربّانًا قادرًا على قيادة السفينة وسط العاصفة.
ولأن الحاجة باتت تضغط على العراق من كل اتجاه، لم يعد بوسعه أن يتعامل مع الواقع وكأنه معزول عمّا يجري حوله.. فإيران الجارة، تغلي تحت وطأة العقوبات الأمريكية وما خلّفته من اضطرابات اقتصادية وسياسية متصاعدة، وسوريا ما زالت رهينة فراغ أمني طويل لا يمنح المنطقة أي قدر من الطمأنينة، بينما تُظهر التجارب الدولية بوضوح من أقصى الشرق إلى أمريكا اللاتينية، وفنزويلا مثال قريب للواقع، برغم بعدها الجغرافي، ومن يراقب هذه التطورات ويتمحصها بعين حذرة، يدرك اننا مقبلون على مرحلة حساسة تتطلب قيادة واعية، وعقلًا مستنيرًا يُعالج التعقيدات قبل أن تتكاثر وتفرض معادلات جديدة على البلاد، لان عقدين من التجارب، بات العراق مضطرًا للبحث عن عقل ثابت قادر على التمييز بين الموجة والعاصفة، بين العاطفة والمصلحة، وبين الكلام والقدرة على الإنجاز، ويبقى السؤال الأكبر.. هل سيكون الشطري سيد القصر الحكومي وربًان السفينة العراقية حتى تصل برّ الأمان.