الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سافايا والأمل بنهاية النفق المظلم

بواسطة azzaman

همسات ساخنة .. ومضات هادئة

سافايا والأمل بنهاية النفق المظلم

لويس إقليمس

 

في نظرة تحليلية لما يحصل في المشهد السياسيّ بعد فرز أصوات الناخبين «المقترعين» للدورة السادسة لمجلس النواب في 11 تشرين ثاني 2025، قد يقرأُ البعض قربَ نهاية النفق المظلم الذي وصلت إليه البلاد مع التقاط أولى إشارات التغيير المرتقب الواردة في البيان الرسميّ لمبعوث الإدارة الأمريكية «مارك سافايا»، العراقيّ الأصل من أتباع الطائفة الكلدانية التي تشكل غالبية المجتمع المسيحي في العراق. ولعلَّ من أهمّ ما نقرأُه عن لسانه حديثُه الواضح عن شكل «مصالح الشعب العراقي والمنطقة الأوسع بعراقِ كامل السيادة، خالٍ من التدخل الخارجي الخبيث ويعيشُ بسلام مع جيرانه». وفي هذا التصريح ما يُطمئنُ القلوب القلقة ويُهدّئ النفوس المهتزّة التي فقدت الثقة بشكل المنظومة السياسية القائمة ورموزها وأدواتها وشعاراتها والجهات الموالية لها إقليميًا ودوليًا.

وحيثُ إنّ فئاتٍ كثيرة مغمورة أو مسلوبة الإرادة من الشعب مازالت غافلة خانعة و»أرجلُها في الشمس» كما يقول المثل بسبب عُقَدها العقائدية الضيقة وبُعدها عن حسّ الولاء الوطني بسيادة وإرادة مستقلّتين، يبقى المجتمع بمجمله غير واعٍ لهول الكارثة التي عاشها منذ سقوط النظام السابق في 2003 بتلك الطريقة الرعناء على أيدي المحتلّ الأمريكي وأذنابه وأدواته في الوطن ودول الجوار، وذلك كنتيجةٍ حتمية لسقوط تلك السيادة وتلك الإرادة بأيدي الدخلاء والغرباء عنه. وفي الوقت الذي يظنّ فيه غيرُ هذا البعض المعارض للمنظومة السياسية المنتفعة حدَّ النخاع والمؤيدة لقدرها المحتوم طائفيًا وتشبثها بمنهج المظلومية المذهبية والجهادية الساذج الذي لم يعد مشروعًا ولا مباحًا وطنيًا ولا إقليميًا ولا دوليًا، يطرق مسامعَنا بين فترة وأخرى أنّ جلَّ هذه «النعم» وهذا «الخير» العميم الذي يعيشُه الشعب العراقي منذ يوم السقوط المشؤوم إنّما هو بمثابة منّة قدّمتها وماتزال تقدّمها زعامات الأحزاب الطائفية الإسلامية المؤدلجة الحاكمة والمتسترة في معظمها بغطاء الدين وعباءة المذهب وبشعارات المواسم في إشارة وافية لظاهرة النفاق الديني ومظاهر التديّن الفارغ المستشري بين الأحزاب والكتل الحاكمة والجماعات المسلحة المنفلتة في مثل هذه المناسبات وفي غيرها.

ارهاصات حكومية

لعلَّ السبب في شكل هذه الإرهاصات الحكواتية والتلفيقات الفيسبوكية والتسريبات الإعلامية غير الرصينة يكمن في قناعة عددٍ كبيرٍ من المجتمعات العراقية الهشة المسخّرة دينيًا ومذهبيًا وطائفيًا وعشائريًا بتفضيلها البقاء خانعةً وراضية بحالة البؤس التي تعيشُها مناطقُهم ومدنُهم وأبناؤُهم. فيما سادة السياسة «المهواليّين» وعلّية العشائر ومَن يتقاسمون معهم الكعكة والمنافع وموازنات العقود المليارية من الذيول والأدوات المطيعة وكأنهم يعيشون في وادٍ آخر في مسعى تنافسيّ مجتهد وحثيثٍ لحصاد المزيد من المكاسب والأموال والعقارات والامتيازات في الداخل والخارج يومًا بعد آخر بوسائل لا تخلو من شبهات فساد وغسيل أموال وتهريبها خارج أرض الوطن. فالمناصب والامتيازات غير المحدودة التي يتمتع بها المقربون من الزعامات السياسية المجرَّبة في سلبيتها ونهبها ولصوصيتها وكذبها ونفاقها تبدو أكبر من قابليات الكثيرين من هؤلاء المستغلّين لواقع أبناء مناطقهم المتهالكة أصلاً ولاسيّما من المؤمنين منهم بالوعود الكاذبة بالتعيينات حينًا وبلوغ مناصب حينًا آخر أو الحصول على مكاسب من برامج ومشاريع خيالية غير موجودة على أرض الواقع أو في تحسين واقع خدميّ متهالك أو بالتفاخر بإنجازِ معلمٍ بارز غير مكتمل المعالم وناقص الأسس الفنّية والهندسية والتراثية.

انتهت اللعبة الانتخابية وبدأ صراع الأدوات

انتهت لعبة الانتخابات! لكنّ إرهاصاتها وصراعات الأحزاب والكتل على أحقية السلطة التنفيذية ستظلّ قائمة لأيام أو ربما لأسابيع أو أشهر في انتظار صفارة الحَكَم المخوَّل من القضاء لحسم وقت الدقائق الأخيرة المضافة فيها وإعلان فوز الكتلة الأكبر وما يقابلها من حقّ الثلث المعطّل للخصوم. فهناك دومًا جهةٌ خلف الكواليس لديها السطوة والرأي الأخير في حسم منصب رئاسة الجهاز التنفيذيّ لشبه الدولة التي ماتزال تعيش وفق مبدأ المحاصصة والشراكة والتوازن بين اللاعبين الكبار وفق مقاسات الدول الكبرى، ومنها راعي العملية السياسية الأمريكي منذ 2003 وشريكه الشرقي كمقاول رئيسي للصفقة التخادمية. لكنّ هذه اللعبة التي اعتادت عليها البلاد في كلّ دورة انتخابية شرسة التنافس والتناطح تبقى هي الأخرى غير مكتملة وناقصة في ميزان البناء الوطنيّ والجهد المواطنيّ أخلاقيًا وإنسانيًا حيث ينتظرُ الشعبُ المغلوب على أمره في كلّ مرّة «يُلدغُ فيها من جحرِه»، انفراجةً سياسية موعودة لكنها غير مأمونة بتشكيل حكومة قوية تختلف عن سابقاتها الضعيفة المتسمة جميعًا بأشكال الفساد واللصوصية ونهب المال العام والوعود غير المنجزة.

إنّ الحكومة القادمة رغم كونها قريبة المعالم في توجهاتها وظروف تشكيلها في ضوء المستجدّات المحلية والإقليمية والدولية لن تخلو من معوّقات ومناكفات واتهامات وابتزازات ومساومات حتى على العرض والشرف لو تطلّبَ الظرف والحال. بل لا يُشكُّ بولادتها بإجراءات قيصرية حادّة كما اعتدنا في كلّ مرّة يشتدُّ فيها أوارُ النزاع والخصام والتسقيط والقفز على الحقائق بسبب الاختلاف في شكل الطموح وكيفية فرض الإرادة وتوجيه الرأي بحسب سياسة الراعي الكبير وطريقة تفكيره في إدارة شؤون البلاد والعباد في ضوء ما يجري على الساعة الاقليمية والدولية على السواء. أي أنّ المسألة ترتبط بشكل السياسة العامة التي يديرُها العم سام، راعي العملية الرئيسي بالاتفاق والتوافق مع المستثمر الشرقي وربّما الداعم الخليجي معًا. وفي كلّ الأحوال، فلا تنازلاتٍ سهلة مرتقبة بين المتنافسين المتخاصمين الأساسسين الذين فرزتهم صناديق الاقتراع بسبب شدّة الصراع الأنانيّ غير الشريف بين أصدقاء الأمس وأعداء اليوم. فكلُّ فريق يرى في الطرف المقابل الفائز خصمًا ورقمًا صعبًا في معادلة التوافقية والشراكة والتوازن المرتهنة بأيدي المثلث الحاكم «الكردي-السنّي الشيعي» في طريقة استخدام أساليب السياسة والمجاملة والمداهنة حينًا والردع والتهديد والمساومة حينًا آخر بغية السعي لإيقاف تمدّد طرفٍ أو توسّعه على حساب طرف آخر خشيةً من تفرعنه وإطالة أجنحته وقدرته على الطيران لوحده بعد الاستغناء عن مربّيه ومكتشفه وراعيه!

مصيرُ الكعكة؟

مبدئيًّا، لا أحد يشكّكُ في دور الدولة العميقة في إنضاج أيّ مشروع لتشكيل الحكومة بعد كل دورة انتخابية. فهذا ما شهدناه ومازلنا نشهدُه هذه الأيام مع تراكض زعامات الكيانات الفائزة لخلق أجواءٍ من التوافقات والاتفاقات والشراكات تهدف لخلق توازنات متاحة مع بعضها البعض. وبالتأكيد، سيشتدُّ المضمار بين المتبارين المتخاصمين الكبار في كيفية إدارة شبكات المساومات والتجاذبات والتنازلات المرهونة بالهدايا والعطايا والمناصب الموعودة لحدّ الاستعداد بالتضحية بالمبادئ الانتخابية والشعارات الساخنة التي احتلت الشوارع والساحات عبر الصور الكبيرة الباهتة للمرشحين بجانب زعامات الكتل وكأنها المنقذ الأوحد لواقع الحال المتهرّئ في المنظومة السياسية الذي يعترف به الجميع بسلبياته العديدة دون استثناء. ولكنّ الهدف المشترك الذي يسعى إليه الجميع يبقى في كيفية الاحتفاظ بالكعكة طازجة قدر المستطاع ولأطول فترة ممكنة. فضياعُها لدى بعض هذه الأطراف كلاًّ أو جزءًا، فذلك خسارة للدين والمذهب والطائفة والعشيرة والكتلة والحزب ضمن حلقات متسلسلة مع بعضها البعض بالرغم من العطب البائن في  آنيتها الفخارية غير المطبوخة بعناية. أمّا مَن يسعى للاحتفاظ بها أو السعي إليها بجدارة أو بغيرها، فذلك يعني فتح جبهة جديدة للصراع بين المتخاصمين اللاهثين جميعًا وراء طعمها ومذاقها وشكلها وإطارها ولونها وما في داخلها وظاهرها. فهناك أطرافٌ عنيدة لا تريد تركها لغيرهم أو السماح بتفتيتها بعد أن وصلت إليهم على عهد الحاكم المدني الأغبر «بريمر» الذي لم يألُ جهدًا في تفليش دولة متكاملة الأركان لها موقعُها المتميّز الجبّار بين الأمم والدول علاوةً على سمعتها الإقليمية والدولية بعيدًا عن المنغّصات المحلية السلبية التي اتسم بها أركان النظام السابق والتي كانت السبب وراء كلّ هذا الدمار والتخريب والتفليش المتعمّد داخليًا وخارجيًا. وفي هذه المرة أيضًا قد تقع الديمقراطية ضحيةَ رصاصة أو رصاصات طائشة من طرفٍ أو أطرافٍ لا تستسيغُ أيّ تحوّلٍ نحو بناء دولة مستقلّة متكاملة الأركان سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا ومخابراتيًا وعلميًا وأخلاقيًا وتربويًا واقتصاديًا وكلّ ما يشكّلُ إضافةَ طابوقةٍ جديدة ورصينة في بناء الوطن والأرض والإنسان. فهذه من الخطايا الاجتماعية الكبيرة في عقيدة بعض الأحزاب والأفراد الذين لا يروق لهم الخروج أو الاستغناء عن الولاء المفضوح لدول الجوار. وهذا ما استفزّ الإدارة الأمريكية الجديدة وعكسه مبعوث الرئيس «ترامب» في بيانه الرسمي بعد الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية للدورة السادسة، ما استعجل أطرافًا في الإطار التنسيقي للتودّد له وإبداء المرونة في التعاطي ما جاء في طرحه وفي مداخلاته وتسريباته.

في اعتقادي، المسألة  لاتتحمّل أكثر ما هو عليه الواقع المهتزّ والمتهرّئ للبلد. فكلٌّ يبكي على ليلاه والكلُّ يسعى لقطع ما أمكنه من كعكة النفط والموازنات السنوية الهائلة التي يسيلُ لها لعابُ المجرَّبين الفاسدين السابقين والطامحين الطامعين الجدد الذين صرفوا المليارات على دعايات تافهة أو على شراء ذمم وأصواتِ ناخبين نقدًا أو بالآجل أو احتالوا على البعض السذّج  من دون مقابل. وسوف يسعى الفائزون المقامرون بالتأكيد لاسترجاعها أضعافًا مضاعفةً بشتى الوسائل والطرق، حتى لو حصل ذلك على حساب المبادئ والأخلاق والشعارات والوعود والتعهدات وخارج الضمير وبعيدًا عن الأخلاق.

في الخلاصة، تشير كل التوقعات إلى قرب استشراف ضوء الأمل في نهاية النفق المظلم للمنظومة السياسية القائمة منذ أكثر من عقدين من الزمن. ولكن ما يجهلُه عامة الناس وغيرُ القادرين على احتواء الموقف الوطني وكيفية بلوغه بطريقة حضارية لقلع الفاسدين وأدواته وإستبعاد غير الأكفاء وغير الجديرين بحكم البلاد، أنّ الأمر منوطٌ قبل أيّ حركة تحرّرية بالراعي الأكبر للعملية السياسية وقدرته على حسم الموقف سلميًا عبر اختيار أطرافٍ وطنية صادقة تعيد العراق إلى جادة العدالة والمساواة والتعايش بعيدًا عن الولائية المهينة بحق السيادة الكاملة على الأرض والسماء والمياه. وفي ضوء هذه الأهداف الحضارية والوطنية في توجهها، لا بدّ من استعداد شعبيّ وتحرّك جادٍّ من جانب جميع طبقات الشعب المغلوب على أمره من خلال إدراكهم أنّ رفاهية الساسة وأنماط الحياة المترفة للمستغلّين للمناصب والثروات من القوى السياسية وأحزاب السلطة الحاكمة تشكلُ في واقع الأمر مصدرَ تعاسة للفقراء والطبقات المسحوقة الكبيرة من شعب العراق. بهذا الوعي  الوطني الناضج فقط، يمكن الجزم بوضع الشعب لمصالح العراق العليا وتأمين مصيره وضمان مستقبل أجياله على السكّة الصحيحة في الوطنية والعدالة والمساواة والكفاءة وليس بغير هذه. وهنا يأتي دور الشباب والمثقفين والنخب من المواطنين الصالحين في طليعة المنتفضين على رموز الفساد والمستغلّين لتعاسة الفقراء والمحتاجين وجماعات الاسترزاق التي تخشى على حياتها من قساوة التهديدات التي تحوم حولها وتنغّصُ معيشتَها بقطع الأرزاق من فتاتِ ما تمنُّ به عليهم زعاماتُ السلطة وأحزابُها وأذنابُها فضلاً عن تأثيرات الجماعات المسلحة المنفلتة الخارجة عن السلطة والرافضة بإصرار لتوحيد الجهد العسكري والدفاعيّ في منظومة الجيش الرسمية، «سور الوطن الذي يحميه أيامَ المحن والشدائد»!

حمى الله الستّارُ العراقَ وحفظَ أهلَه من سوء الأشرار والمتربصين به من قطعان وذئاب أهل الداخل  والخارج! وليعلم الجميع أن البمعوث الأمريكي الخاصّ ليس بيديه العصا السحرية لإعادة العراق إلى سكّة الدول المهمة التي لها وزن إقليمي ودولي. فجلُّ ما يهمُّ الراعي الأمريكي ووكيله في المنطقة هو أموال النفط والغاز وسائر ثرواته المعدنية والبشرية وما تدرّ كبرى المشاريع من مكاسب ومصالح ومنافع شخصية أو عالمية من موازنات العراق الانفجارية في كلّ سنة.

 


مشاهدات 54
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2026/01/10 - 12:05 AM
آخر تحديث 2026/01/10 - 10:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 366 الشهر 6942 الكلي 13114365
الوقت الآن
السبت 2026/1/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير