الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الكرد في الذاكرة البريطانية.. خوف قديم من أمة لا تُهزم

بواسطة azzaman

الكرد في الذاكرة البريطانية.. خوف قديم من أمة لا تُهزم

سوزان ئاميدي

 

من يتابع التاريخ الطويل للعلاقة بين بريطانيا والكورد يدرك أن الأمر يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية أو اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى. المواقف البريطانية المتقلّبة — من الوعود إلى الإحباط، ومن الدعم الحذر إلى العرقلة الصامتة — ليست مجرد ردود فعل ظرفية، بل تعكس رؤية عميقة تشكّلت عبر قرون طويلة. فبينما يحصر بعض المراقبين السياسة البريطانية ضمن إطار المصالح الاستراتيجية، تكشف قراءة متأنية عن طبقة خفية من التفكير السياسي، تشبه «الذاكرة التاريخية» لدى الإمبراطوريات، ذاكرة لا تُسجّل في الوثائق الرسمية بقدر ما تُختزن في العقل الاستراتيجي الجمعي، وتدرك أن بعض الشعوب تحمل قوة كامنة — سياسية، ثقافية، ونفسية — قادرة على قلب التوازنات إذا ما أُتيحت لها الفرصة .

سؤال جوهري

 ومن هنا يظهر السؤال الجوهري : لماذا تظهر بريطانيا — أكثر من غيرها — حساسية واضحة تجاه أي نهضة كوردية أو محاولة لقيام دولة كوردية مستقلة ؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى جذور الصورة التي شكّلها الغرب عن الكورد، والتي لا تبدأ من سايكس–بيكو بل تمتد إلى زمن صلاح الدين الأيوبي وتظهر في الدراسات الأنثروبولوجية البريطانية ، وتتجسد في التجارب الحديثة للكورد في محاربة داعش. هذه الرؤية التاريخية تضع الأساس لفهم القلق البريطاني المستمر عبر الزمن، وهو حاضر في كل قرار مؤثر، ويشرح الحذر المتواصل تجاه أي تحرك كوردّي مستقل.

صلاح الدين الأيوبي يمثل البداية غير المعلنة لهذا القلق، فقد في نظر الغرب، وبريطانيا خصوصاً، إلى شخصيته ليس فقط كقائد عسكري بل كرمز لشعب قادر على القيادة والتأثير خارج أطر الإمبراطوريات التقليدية ، شخصية فرضت احترامها على الخصم قبل الصديق، وأعطت للأمة الكوردية بصمة تاريخية لا يمكن تجاهلها . ومن هنا يمكن فهم القلق البريطاني من أي تحرك كوردي مستقل في المستقبل ، فالتاريخ يوضح أن القدرة على القيادة قد تترجم إلى قوة سياسية لاحقاً .

تاريخ الكورد ليس مجرد رواية محلية بل امتداد لحضارات عميقة الجذور ، دراسات عديدة — بعضها بريطاني — تناولت جبل جودي كموقع لرسو سفينة نوح وربطت بين جغرافيا المنطقة والشعوب التي سكنتها، ومن ضمنها الكورد. هذا الامتداد التاريخي العميق يعطي الانطباع بأن الكورد ليسوا شعباً طارئاً ، بل جزء أصيل من جذور الشرق القديم، ما جعل فكرة تهميشهم أو احتوائهم مهمة صعبة في العقل الغربي . وبالتالي، يظهر أن التاريخ والذاكرة الاستراتيجية يتداخلان في تشكيل سياسات بريطانيا تجاه الكورد .

قوة قتالية

عندما دخل البريطانيون المنطقة في بدايات القرن العشرين، لم يأتوا بعيون فارغة ، بل كانوا مجهزين بكم هائل من الدراسات الأنثروبولوجية التي تناولت تكوينهم الاجتماعي ، قوتهم القتالية ، استقلاليتهم النفسية ، قدرتهم على المقاومة ومرونتهم في الجبال . هذه الدراسات جعلت الكورد يُنظر إليهم كشعب يصعب إخضاعه ، وإذا مُنح دولة، فقد يتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة . وهكذا ، أصبحت «الدولة الكوردية» بالنسبة لبريطانيا عامل اضطراب محتمل في الخريطة التي صممت بعد الحرب العالمية الأولى لضمان توازن يخدم مصالحها ، وهو رابط واضح بين المعرفة التاريخية والتقييم الاستراتيجي للمخاطر المحتملة .

حين واجه الكورد تنظيم داعش، ظهر مجدداً ما كان الغرب يعرفه منذ عقود: صلابة الكورد في القتال، التنظيم، القدرة على الحشد والدفاع عن الوجود، وهو ما أعاد القلق القديم إلى الواجهة. ورغم ذلك، فإن خصائصهم الفريدة تجعلهم في الوقت نفسه شركاء محتملين للأمن والاستقرار طالما أُعطوا حقوقهم المشروعة وحُترمت مصالحهم. استقلاليتهم النفسية، ووعيهم السياسي، وحفاظهم على هويتهم الثقافية تجعلهم أكثر ميلاً للتعاون البناء مع الدول والمنظمات، بدل السعي للفوضى أو التخريب، ما يحوّل قوتهم من تهديد محتمل إلى فرصة للاستقرار الإقليمي إذا أُديرت بحكمة .

بريطانيا لا تعادي الكورد علناً ، ولا ترفض حقوقهم مباشرة، لكنها تتحرك باستمرار لمنع نشوء دولة كوردية مستقلة. ليس بدافع أيديولوجي بل نتيجة قناعة راسخة عبر قرون: الدولة الكوردية، إذا قامت ستكون قوية ، مؤثرة ، ومستقرة نسبياً ، وقادرة على تغيير التوازنات التي تستفيد منها لندن .

إنه الخوف من القوة المحتملة، لا العداء للشعب، وهو ما يفسر الحذر البريطاني المستمر تجاه أي مشروع كوردي مستقل .


مشاهدات 38
الكاتب سوزان ئاميدي
أضيف 2026/01/03 - 12:44 AM
آخر تحديث 2026/01/03 - 2:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 91 الشهر 1297 الكلي 13108720
الوقت الآن
السبت 2026/1/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير