في الملف الكردي الفيلي
فاضل ميراني
في تصاعد اجرائي لسياسات سابقة- قد يبدو ان بعضا منها انحسر و لم تنعدم او تنحسر كلها- اسقطت حكومة بغداد الاوراق الثبوتية عن مواطنين عراقيين و صادرت اموالهم و هجرت قسما بعد ان سفّرت قبلا مواطنين عائديتهم عراقية، واحتجزت قسما و غيبت و استخدمت منهم عينات لتجارب امنية تحقيقية و عينات لتجارب السلاح.
انهم الكورد الفيليون، والكورد الفيليون من اتباع المذهب الجعفري وهم قوميا كورد، و فكريا هم موزعون مثل اي جماعة انسانية على مدارس فكرية متنوعة وكذلك اجتماعيا، ولهم تداخلات عميقة في البنى الاساسية بخاصة في مجتمع دولتين هما العراق و ايران، وبعد ذلك في المهاجر التي تم دفعهم لها دفعا.
كان الرئيس الراحل الزعيم مصطفى البارزاني و في خطوة جبارة للفت انتباه الحكم العراقي لجرمه بحق الفيليين قد سمى الراحل حبيب محمد كريم الفيلي مرشحا لمنصب نائب رئيس الجمهورية العراقية، لاثبات ان الفيليين هم ضمن القانون العراقي و تواجدهم عيشا انهم عراقيون واكثر اصالة من المشككين بعراقيتهم، وان جمعهم لقومية كوردية و مذهب ديني مثل المذهب الجعفري انما هو تنوع يبعث على القوة لا على الضعف، لكن النظرة السياسية المغايرة لنظرة البارزاني و عموم ابناء العراق و قواه السياسية كانت تريد توجيه ضربات عدائية استباقية مستهدفة النسيج العراقي العام و الكوردي الخاص و الحركة التحررية الكوردية و الوطنية العراقية و مراكمة ملفات على خصومة مفتتحة مع ايران التي تبدل النظام فيها بمجيء اية الله العظمى روح الله الخميني، هذا مع الاستحواذ على ممتلكات ضخمة لقرابة المليون مواطن اغلبهم من العاملين في القطاع الخاص.
تاريخيا و سياسيا ومع ضرورة محاكمة الحدث وفق احكام و تصورات وقته، فأن اي شخص يمتلك ادنى حدود الفهم و الوعي سيقطع بجاهلية الفكر الذي يصطنع حربا داخل نظام يفترض انه هو الحاكم فيه، والا فأن المكاسب المالية المتحصلة من العمليات الامنية التي طالت الفيليين لهي على ارباحها ليست الا خسارة لشعارات النظام و لنظرة عموم العراقيين و المجتمع الدولي له بل و اضافة قوة ساخطة للدولة التي جرى تسيير الفيليين لها.
عمليات امنية
لا يمكن هنا اغفال تكرار حدوث عين تلك الافعال مع الكورد ومنها عملية الانفال بسلسلتها المقيتة وكذلك تعرض عرب شيعة لعمليات امنية وعسكرية وانضباطية في محور يتنقل بين مراحل من الاقصاء مرة من حق في الحياة و مرات من الحياة كلها في ترجمة حية لمعنى وجود نظام سلطة تفردي احادي عقائدي. تاريخيا كانت للعملية شبيهات في اغلب انظمة الحكم، لكن كل النتائج التي تترتب على تحول النظام لمجرم تكون كارثية و تكون عملية اصلاحها و تجاوزها طويلة الامد.
لقد دفع الفيليون ثمنا فادحا لسلعة سياسية من انتاج نظام اعتمد للمواطنة معايير دخيلة حتى على نظامه القانوني الاساس اذ ساوى بين قرارات مجلس قيادة الثورة و بين القانون من حيث التشريع ثم قدم قوة قرار المجلس على القاعدة القانونية الضابطة، فخول بقرار منه وزير الداخلية اسقاط الاوراق الثبوتية عن اي مواطن مشكوك بولائه للثورة( يقصد بها حركة 17-30 تموز 1968) وتم وضع معايير امنية من وحي جهاز الامن حيث صار المواطن برىء الذمة مشكوك به لحين اثبات العكس من عين الجهاز الامني. لقد تم اعدام الوف الفيليين من كلا الجنسين و بأعمار مختلفة بلا دليل محايد و وفق ادعاء امني بلا دفاع، كما تم تسيير الوف آخرين للحدود الدولية بلا ذنب وبظروف قاسية، والانكى من ذلك ان الوف الفيليين فيهم اختصاصات علمية متقدمة تم هدرها بقرار معيب لا اركان قانونية له و لا شروط سليمة.
لقد ابتدع المجرمون بحق الفيليين انموذجا لضحية تدفع ثمنا لعقيدة اباحها الدين وتتصل بأشرف بيت في الرسالة الاسلامية، و بقومية اصيلة بكل المعاني هي القومية الكوردية، و ذاك الاجراء ان دل على شيء فأنما دل و يدل على تحقق الطفرات الجاهلية في لتصل الى العقل الحاكم الذي و في مغامرة منه اراد احداث بيئة مجتمعية نقية بحسب فهمه بحيث يزيل كل مختلف عنه قوميا و معتقد دين، لكن حتى الذين اشتركوا معه في قوميته و مذهبه لم يسلموا من بطشه تحت طائلة معايير يحددها هو متى احتاج للبطش. كل عمليات ازالة الفيليين لم تنجح فقد عاد السالمون منهم الى العراق و اعيدت لهم قسم من ممتلكاتهم، لكن الدم و القهر لا يعوضه شيء، وحتى لا تتكرر المأساة فعلى العاقل الحاكم اخذ العبرة من سابقه.
مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني