الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المِعدان والشروكيّة..أصل التسمية

بواسطة azzaman

المِعدان والشروكيّة..أصل التسمية

حيدر المحسن

 

ينقسم سكّان العراق إلى أربع فئات: أهل الحضر وأهل الريف (الفلاحون) والبدو (رعاة الإبل) والمعدان (مربّو الجاموس) وإذا أردت التوسّع في تعريف هؤلاء يمكنك القول إنهم سُكّان الأهوار، فأرضُ المرء خيرُ نسبٍ له، كما يقول المثل. يعيش المعدان في بيئة مائيّة في جنوب العراق، هي البطائح أو الأهوار، من ينظر إليها يعود به الزمن إلى 5000 آلاف عام إلى الوراء. عندما يأتون المدينة يبدون مختلفين، بأجسادهم الضخمة وبشرتهم النبيذيّة اللون ونظراتهم الشاردة، كأنهم قَدِموا من جُبّ الماضي أو هبطوا من كوكب آخر.

يسكن المعدان في قرىً متفرّقة في الهور وبيوتهم مصنوعة من القصب، وهناك عاطفة واضحة وشديدة تشدّهم الى جواميسهم، فهم يعاملونها مثل كائنات عاقلة. لكلّ دابّة اسمها ونسبها ومكانتها في ضمير أهلها، وعندما يتقدّم بها العمر يُقام لها قبل ذبحها مأتمٌ بيتيّ تُسكب فيه العبرات ويعلو العويل، ومنهم من لا يرتضي ذبح جاموسته فيقوم بدفنها ويزور مثواها ولا يفارقه الحزن عليها. من هنا جاء المثل العراقيّ عند المبالغة في طقوس العزاء بالقول إنه (حِزِنْ معدان).

وأنت تدخل بيت المعيديّ كلّ شيء يصير له رائحة الحليب، حتى دخان السيجارة يصطبغ بهذا الضوع، حتى زيت القنديل، ورغم تصايح الأطفال ثمة هدوء كبير يغلّف الذهن، والزمن ينساب دون حساب، اللحظة تكرّر نفسها والساعة تعيد الساعة واليوم يتبعه اليوم نفسه، لهذا السبب بقي المعدان على حالهم القديم الذي يعود إلى ما قبل آلاف السنين، أو أكثر.

لا نمتلك في أدبنا العراقيّ تعبيراً عن بيئة الهور غير قصائد مظفر النواب، وجاءت بلهجة المعدان.

 رغم الصبغة الثوريّة لكنّ الشاعر تمكّن من إلقاء الضوء على حياتهم، أما في النثر فهم مجهولون تقريبا، عدا قصص قليلة لم يفِ مؤلفوها حقّ البيئة والإنسان.

 الرحّالة الأجانب هم الذيم قدّموا لنا صورا أدبيّة وإنسانيّة رائعة عن عالم الأهوار الساحر. أول المستكشفين هو الرحّالة الأسكتلندي جيمس بيلي فريزر، ألّف كتاباً سنة 1834 في رسائل كان يبعثها إلى زوجته واصفا رحلته إلى العراق.

الثاني هو جسني، قاد باخرتين عام 1836 هما «دجلة» و«الفرات» وصادفته زوبعة أغرقت الأولى ووصلت الثانية إلى البصرة، ونشر كتابين هما «حملة لاستطلاع نهري دجلة والفرات» و«قصة حملة الفرات».

بيئة الهور

 بعد الاحتلال البريطاني ألّف هجكوك، الضابط السياسي في بلدة العِمارة (مدينتي) مع زوجته كتاباً عنوانه «الحاج ريكان» وهو قصة طويلة فيها صور عن حياة أهل الهور. الكتاب الذي حصل عنه كافن ماكسويل جائزة هيمنام للآداب عام 1956 عنوانه «قصبة في مهبّ الريح» ويعدّ المرجع الأول في دراسة أهوار العراق.

 عام 1964 أصدر الرحالة الشهير ويلفر ثيسيغر كتاب «المعدان عرب الأهوار» بعد أن عاش شهوراً في المكان، وكان يعمل طبيباً للناس ومعلّماً ومرشداً.

 الأخير الذي زار المكان هو كافن يونغ، وجاءنا بمؤلّفه «العودة إلى الأهوار» مع ملحق صوريّ صار من المستحيل الآن بعد تجفيف الأهوار واختلاف الحياة العثور على أيّ من المشاهد التي ثبّتها في كاميرته بالصورة والصوت، وكان يتنقل برفقة ضابط في الاستخبارات، نحن في عام 1970، وحزب البعث يحكم العراق ـ برتبة نقيب يحمل مسدسه حتى أثناء النوم، ويوجّه إلى الكاتب طوال الوقت «نظرات قاتلة».

 عاش جميع الذين مرّ ذكرهم في الهور مع الناس.

 لبسوا مثلهم وأكلوا وناموا، وصاروا معدانا أصيلين.

قبل بدء الكلام عن المعدان أودّ أن أشير إلى أن هؤلاء الرجال الأفذاذ لا يقلّون شجاعة وعظمة عن أولئك الذي هبطوا في أعماق أرضنا، واكتشفوا مدن أجدادنا السومريين والبابليين والآشوريين، بُناة الحياة الأولى والحضارات على الأرض. ربما يكون البحث فوق الأرض أصعب منه في أعماقها، إذا سكن المكان بعضُ الوحوش.

أول ما يفكّر به المرء في ما يخصّ المعدان هو اسمهم.

من أين أتى، وما هو معناه؟ لست عالماً في الآثار ولا مؤرخاً ولا باحثا أنثروبولوجياً، لكنني لا أطمئن للرواية التي تجمع هؤلاء مع قبيلة «مَعَدّ» التي سكنت جزيرة العرب وجاء منها المثل الشهير: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه».

القصّة التي دارت بين النعمان بن المنذر وضمرة بن ضمرة معروفة، لكنّ معدان العراق بعيدون تماما عن القَشَف والغِلظة والقسوة في العيش وسط الصحراء، موطن قبيلة معد، بينما أعدّت الطبيعة للمعيديّ العراقي روضة فيها أصناف غذاء لا توجد حتى في جنّات عدن، فهو يطعم من الدابّة والطير والسمك، بالإضافة إلى أرضه، والماء والخضراء والنماء في كل متر مربع، كأن الطبيعة تأخذ شكل الانتقام من ذاك الجفاف والحرمان والجوع الدائم. في لسان العرب: التمعدد: التشطّف، والصبر على عيش معدّ، وتمعدد: صار في معدّ، وفي حديث عمر بن الخطاب: اخشوشنوا وتمعددوا. اختلاف البيئة بين الكائنات يؤدي بالنتيجة إلى تباين في الهيئة والتقويم، بالإضافة إلى بُعد الشقّة وعِظَم الفجوة بين محيطين يختلفان تماماً ـ الماء والصحراء ـ ولا يتشابهان في أيّ من سبل العيش، الزراعة والصيد في الهور مقابل الغزو والنهب أو التجارة في أحسن الأحوال، كلّ هذا جعل احتمال تأثّر ابن الهور بذاك البدويّ ضرباً من الوهم. الغريب في الأمر أن المعدان لا يفقهون معنى الكلمة ولا مصدرها، فهي إذن غريبة ومُقحمةٌ عليهم، كأنها تُهمة أُلصقت بهم. لو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أوّلَ ذكرٍ لها وردنا عن ابن بطوطة في رحلته التي جرت في القرن الرابع الهجري. بسبب موقعها الجغرافي الفريد، كانت الأهوار ملاذا للثائرين والمتمرّدين على أكاسرة الفرس، والملوك الذين قبلهم، وفي عصر ابن بطوطة كان العراق يحكمه «ملوك» جاؤوا من تلك الرملة القصيّة، بلاد ضمرة بن ضمرة، وجرت في الأهوار، مما يحفظه لنا التاريخ، ثورة الزنج في منتصف القرن الثالث الهجري. يبعث هذا الأمر إلى احتمال التهمة في لقب المعدان أكثر، نوع من الانتقام بواسطة التحقير اللفظي يقوم به الحاكم المستبدّ على الثائر طالب الحقّ. أوصاف سكّان الصحراء معروفة، بشرة محروقة وبدن قويّ قوّةً غير متوقّعة من أشخاص لهم بنية ضئيلة ووجوه غائرة. في المقابل نجد شفرةَ دمِ أهل الهور شفيفة وأجسادهم ليّنة، وتمتدّ إلى الأعلى وإلى الجانبين. الشابُّ منهم ينضح برائحة الثيران، ومن العذراء يفوح عطر النرجس الأبيض. هنا الحياة شهوانية أكثر والموت أكثر صعوبة لأنّ أسباب الخلود مبذولة، وليس مثلها تلك التي تؤدي إلى الهلاك في الصحراء.

دقة بناء بيت المعيدي ألهمت المعمارية زها حديد نماذج العمارة التي طبعتها باسم لا يعرف التقليد، عندما قام أبوها محمد حديد، وكان يشغل منصب وزير الماليّة، بسفرة عائليّة إلى الهور. تقول المعماريّة في حديث صحافيّ إنها كانت طالبة في الدراسة المتوسطة في ذلك الزمان، وانطبعت في ناظريها صورة «الصريفة» أي البيت الذي يشيّده ابن الهور من القصب المضفور والمحنيّ بصورة دائرة تتكرّر عند قمم أعمدة تقوم بإسناد سقف مصنوع من القصب المحنيّ هو الآخر. لهذا السبب جاءت تصاميم زها حديد تشبه صريفة المعيدي العراقي كثيرا، تقف في الصيف والشتاء فوق أرض من ماء، والحياة فيها رغم ذلك ممتلئة وثابتة. نقرأ في ملحمة كلكامش:

«بيت القصب، يا بيت القصب! جدار.. يا جدار. اصغِ أنت يا بيت القصب.. يا رجل شوروباك. يا ابن أوبارو ـ توتو: «هدّ بيتك وابنِ مركبا. اهجرْ كل ما تملك واطلبْ الحياة.. احملْ في مركبك بذرة كلّ الأحياء».

بعد فشل الانتفاضة التي جرت في أعقاب حرب الخليج الثانية، لجأ الثائرون إلى الهور للاختباء في غابات القصب. وفي محاولة للقضاء عليهم قام الرئيس الراحل صدام حسين بتجفيف الأهوار، واستعملت قنواته الحزبيّة تحقيرا لفظيّا بحقّ المعارضين، فصارت تُطلق عليهم لقب «الشروكيّة» بالكاف المعجّمة، أي سُكّان شرق دجلة، أما الذين موطنهم غرب الفرات فلم يشتركوا في الانتفاضة، وحافظوا بالنتيجة على اسمهم بصورته الموقّرة: أهل «الغربيّة». الشروكيّة لفظة قديمة كانت تُطلق على الفقراء والمعدمين من فلاحي الجنوب الذين يهاجرون من الريف إلى المدينة طلبا للرزق، وانطبعت على المفردة في الذاكرة العراقيّة صفات السذاجة والأميّة وعدم التحضّر، لكنها أصبحت في سنوات التسعينيات لقبا لسكّان الجنوب عموما، وشيئا فشيئا شملت أبناء المدن التي جرت فيها الانتفاضة، عدا الأكراد. يُقال إن أول من اخترع لقب «العجم» لشيعة العراق هي المس بيل، بعد أن قاموا بثورة العشرين ضدّ الإنكليز، والمدن التي قامت بتلك الثورة في عشرينيات القرن الماضي هي نفسها التي اشتعلت فيها نيران الانتفاضة في التسعين. هل كان الإنكليز وراء تصغير أهل «الشرقيّة» إلى «الشروكيّة»؟

أدّى تجفيف الأهوار إلى ظلم كبير لحقَ بالبيئة والكائنات جميعا، ثم زادت الحكومة الإيرانيّة الأمر سوءاً عندما قامت بسدّ وتحويل مجرى الأنهار التي تنبع من أراضيها. ارتحل نتيجة لذلك المعدان إلى الريف أو أطراف المدينة، لكن طريقة عيشهم وتقاليدهم ظلّت على حالها. تتغيّر البيئة في سنة أو عشرين سنة أو ثلاثين سنة، ويحتاج البشر إلى مئات أو ألوف السنين كي ينتقلوا من طينة إلى أخرى.

 


مشاهدات 379
الكاتب حيدر المحسن
أضيف 2024/03/29 - 9:53 PM
آخر تحديث 2024/05/28 - 1:43 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 181 الشهر 11608 الكلي 9349646
الوقت الآن
الأربعاء 2024/5/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير