00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  مقالة منع الأدب لجورج أورويل‮  (2)

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

مقالة منع الأدب لجورج أورويل‮  (2)
ترجمة‮: ‬نواف شاذل طاقة
تعد مقالة‮ "‬منع الأدب‮" ‬واحدة من أهم المقالات السياسية التي‮ ‬كتبها الروائي‮ ‬والصحافي‮ ‬البريطاني‮ ‬جورج أورويل‮ (‬1903ـ1950 ‮ ) ‬والتي‮ ‬عبر فيها بكل صراحة وجرأة عن مواضيع شغلت وما برحت تشغل الرأي‮ ‬العام‮. ‬يعرض أورويل،‮ ‬واسمه الحقيقي‮ ‬إريك آرثر بلير،‮ ‬في‮ ‬هذه المقالة التي‮ ‬صدرت مطلع عام‮ ‬1946 موقفه من الحرية الفكرية بوجه عام،‮ ‬ومن حرية الصحافة في‮ ‬المملكة المتحدة بشكل خاص،‮ ‬والدور الذي‮ ‬يمارسه أباطرة الصحافة الأثرياء والهيئات الحكومية في‮ ‬تقييد الحرية الفكرية في‮ ‬بلاده،‮ ‬من دون أن‮ ‬يغفل تهاون المثقف وبالتالي‮ ‬مسؤوليته عن‮ ‬غياب الحريات‮. ‬إلى ذلك‮ ‬يشن أورويل هجوماً‮ ‬حاداً‮ ‬على الحزب الشيوعي‮ ‬الأم في‮ ‬الاتحاد السوفيتي،‮ ‬وعلى فرعه في‮ ‬بريطانيا،‮ ‬لدورهما في‮ ‬قمع الحريات،‮ ‬ويصف السياسات الشيوعية بأنها أشبه بالأنظمة الثيوقراطية‮ (‬الدينية‮) ‬التي‮ ‬تعتبر نفسها محصنة أمام الانتقادات،‮ ‬متهما الحركة الشيوعية في‮ ‬بلاده ببث ما وصفه بـ"الأساطير السامة‮" ‬في‮ ‬أوساط المجتمع‮.   ‬
الكذب سمة متممة للأنظمة الشمولية
الدولة الشمولية هي‮ ‬دولة دينية من الناحية العملية
هناك عدد لا‮ ‬يحصى من البشر ممن‮ ‬يعتقدون أن من المعيب تزوير المناهج الدراسية العلمية،‮ ‬لكنهم لن‮ ‬يجدوا أي‮ ‬عيب في‮ ‬تزوير حقيقة تاريخية
لا‮ ‬يُعد الكذبُ‮ ‬المنظم الذي‮ ‬تمارسه الأنظمة الشمولية عملاً‮ ‬مقبولاً،‮ ‬أو كما‮ ‬يُزعم أحياناً‮ ‬بأن الكذب ذو طبيعة شبيهة بالخداع العسكري‮. ‬لقد أضحى هذا الكذب في‮ ‬بعض الأحيان سمةً‮ ‬مكملةً‮ ‬للأنظمة الشمولية،‮ ‬وصار ممارسةً‮ ‬قد تستمر في‮ ‬بعض الأحيان حتى إذا باتت معسكرات الاحتجاز وقوات الشرطة السرية‮ ‬غير ضرورية‮. ‬ثمة اسطورة خفية‮ ‬يتداولها المثقفون الشيوعيون تذهب إلى القول إنه على الرغم من أن الحكومة الروسية مضطرة حالياً‮ ‬للتعامل مع الدعاية الكاذبة،‮ ‬والمحاكمات الصورية،‮ ‬وما شابه ذلك،‮ ‬بيد أنها تسجل بشكل سري‮ ‬الوقائع الحقيقية وستنشرها في‮ ‬وقت ما في‮ ‬المستقبل‮. ‬بوسعنا،‮ ‬كما اعتقد،‮ ‬أن نكون على ثقة بأن هذا لا‮ ‬يشكل واقع الحال،‮ ‬لأن الذهنية التي‮ ‬تنطوي‮ ‬على مثل هذا الفعل‮ ‬يُفترض أن تعود لمؤرخ ليبرالي‮ ‬يؤمن بأن التاريخ لا‮ ‬يمكن تغييره،‮ ‬وأن المعرفة الصائبة للتاريخ هامة بكل تأكيد‮. ‬وطبقا لوجهة النظر الشمولية فان التاريخ شيء نصنعه وليس أمراً‮ ‬نتعرف عليه،‮ ‬وإن الدولة الشمولية هي‮ ‬دولة دينية‮ "‬ثيوقراطية‮" ‬من الناحية العملية،‮ ‬وإن الطبقة الحاكمة،‮ ‬وبغية الحفاظ على موقعها،‮ ‬عليها أن تفكر بطريقة وكأنها معصومة عن الخطأ‮. ‬لكن،‮ ‬بما أنه لا‮ ‬يوجد شخص معصوم،‮ ‬فمن الضروري‮ ‬دائما إعادة ترتيب أحداث الماضي‮ ‬لإظهار أن هذا الخطأ أو ذاك لم‮ ‬يحدث،‮ ‬أو أن هذا النصر التخيلي‮ ‬أو ذاك قد حدث فعلاً‮. ‬حينها‮ ‬يتطلب ثانية عند كل تغيير رئيسي‮ ‬في‮ ‬متطلبات السياسة إحداث تغيير مواز في‮ ‬العقيدة،‮ ‬والمجاهرة بشخصيات تاريخية بارزة‮. ‬يحدث مثل هذا الأمر في‮ ‬كل مكان،‮ ‬لكنه‮ ‬يفضي‮ ‬على الأغلب بكل وضوح إلى تزوير صريح في‮ ‬المجتمعات التي‮ ‬لا تقبل إلا برأي‮ ‬واحد في‮ ‬أي‮ ‬وقت من الأوقات‮. ‬بالواقع،‮ ‬تتطلب الشمولية التغيير المتواصل للماضي،‮ ‬وربما تتطلب على المدى الطويل عدم الإيمان بوجود الحقيقة الموضوعية‮. ‬يميل عادة أصدقاء الشمولية في‮ ‬هذه البلاد إلى القول إنه طالما لا‮ ‬يمكن بلوغ‮ ‬الحقيقة المطلقة،‮ ‬فان كذبة كبيرة لن تكون أسوأ من كذبة صغيرة‮. ‬يُشار أيضا إلى أن جميع السجلات التاريخية منحازة وغير دقيقة،‮ ‬أو أن الفيزياء الحديثة قد اثبتت لنا،‮ ‬من جهة أخرى،‮ ‬أن ما‮ ‬يبدو لنا انه عالم حقيقي‮ ‬ليس سوى وهم،‮ ‬وعليه فان الإيمان بالأدلة التي‮ ‬تمنحها الأحاسيس للمرء ما هو إلا فلسفة مبتذلة‮. ‬إن مجتمعاً‮ ‬شمولياً‮ ‬ينجح في‮ ‬إدامة نفسه قد‮ ‬ينشئ نظاماً‮ ‬مصاباً‮ ‬بانفصام الشخصية تبقى فيه قوانين الفطرة السليمة مصانة في‮ ‬الحياة اليومية وفي‮ ‬بعض العلوم الدقيقة المحددة،‮ ‬لكن‮ ‬يمكن تجاهلها من جانب السياسيين والمؤرخين وعلماء الاجتماع‮. ‬هناك عدد لا‮ ‬يحصى من البشر ممن‮ ‬يعتقدون أن من المعيب تزوير المناهج الدراسية العلمية،‮ ‬لكنهم لن‮ ‬يجدوا أي‮ ‬عيب في‮ ‬تزوير حقيقة تاريخية‮. ‬وهنا،‮ ‬عند النقطة التي‮ ‬يتقاطع عندها الأدب مع السياسة،‮ ‬تمارس الشمولية أقصى ضغوطها على المثقف‮. ‬ولا تتعرض العلوم الدقيقة،‮ ‬حتى هذا التاريخ،‮ ‬إلى تهديد بذات المستوى‮. ‬وهذا‮ ‬يفسر جزئياً‮ ‬حقيقة أن‮ ‬يكون أسهل على العلماء في‮ ‬كل البلدان الاصطفاف وراء حكوماتهم مقارنة بالكُتاب‮. ‬
بغية وضع الأمور في‮ ‬نصابها،‮ ‬دعوني‮ ‬أكرر ما قلته في‮ ‬بداية هذه المقالة‮: ‬إن الأعداء المباشرين لقول الحقيقة في‮ ‬انكلترا،‮ ‬ومن ثمَّ‮ ‬أعداء حرية الفكر،‮ ‬هم أباطرة الصحافة،‮ ‬وأقطاب السينما،‮ ‬وكبار الموظفين،‮ ‬لكن نظرة بعيدة المدى تظهر أن الوهن الذي‮ ‬يصيب الرغبة بالتحرر بين صفوف المثقفين أنفسهم هو أشد الأعراض خطورة على الإطلاق‮. ‬قد‮ ‬يبدو أنني‮ ‬كنت طيلة هذا الوقت اتحدث عن آثار الرقابة،‮ ‬وليس عن الأدب إجمالاً،‮ ‬بل عن جانب واحد من جوانب الصحافة السياسية‮. ‬من المُسَلَّم به أن روسيا السوفيتية تشكل نوعاً‮ ‬من أنواع المناطق المحرمة في‮ ‬الصحافة البريطانية،‮ ‬ومن المُسَلّم به أيضاً‮ ‬أن مسائل تتعلق بدول مثل بولندا والحرب الأهلية الإسبانية،‮ ‬والاتفاق الروسي‮ ‬الألماني،‮ ‬وما إلى ذلك من مسائل،‮ ‬تعد مواضيع محرمة على النقاش الجاد،‮ ‬وإذا ما كنت تمتلك معلومات تتعارض مع الأفكار التقليدية السائدة فإن من المتوقع منك أما أن تحرفها أو تلتزم الصمت حيالها‮ ‬– أخذاً‮ ‬بالعلم بكل ما تقدم،‮ ‬لماذا‮ ‬يتعين على الأدب بمعناه الأوسع أن‮ ‬يتأثر؟ وهل‮ ‬يعد كل كاتب سياسياً،‮ ‬وهل‮ ‬يُعد كل كتابٍ‮ ‬بالضرورة تقريراً‮ ‬اخبارياً‮ ‬مباشراً؟ حتى في‮ ‬ظل أشد الأنظمة الدكتاتورية تشدداً،‮ ‬ألاّ‮ ‬يمكن للكاتب أن‮ ‬يبقى حراً‮ ‬في‮ ‬تفكيره وأن‮ ‬يكشف أو أن‮ ‬يخفي‮ ‬أفكاره‮ ‬غير التقليدية على نحو تكون فيه السلطات بمنتهى الغباء ما‮ ‬يحول دون تمكنها من التعرف عليه؟ على أية حال،‮ ‬إذا كان الكاتب نفسه متفقاً‮ ‬مع التفكير التقليدي‮ ‬السائد،‮ ‬لماذا‮ ‬يكون النظام‮ ‬غاضباً‮ ‬عليه؟ أليس الأدب،‮ ‬أو أي‮ ‬فن آخر،‮ ‬أكثر احتمالاً‮ ‬للازدهار في‮ ‬مجتمعات لا‮ ‬يوجد فيها تضارب في‮ ‬الفكر ولا تمييز حاد بين الفنان وجمهوره؟ وهل‮ ‬يتعين على المرء أن‮ ‬يفترض أن كل كاتبٍ‮ ‬متمردٌ،‮ ‬أو حتى أن الكاتب على هذا النحو هو شخص استثنائي؟‮ ‬
يواجَهْ‮ ‬المرء بمثل هذه الحجج بشكل أو بأخر كلما حاول الدفاع عن الحرية الفكرية ضد مزاعم الأنظمة الشمولية‮. ‬وتستند هذه الحجج إلى سوء فهم كامل لما‮ ‬ينطوي‮ ‬عليه الأدب،‮ ‬وكيف‮ ‬– وربما‮ ‬ينبغي‮ ‬للمرء أن‮ ‬يقول لماذا‮ ‬– خرجت إلى حيز الوجود‮. ‬يَفترض هؤلاء أن الكاتب إما أن‮ ‬يكون مجرد فنان ترفيهي‮ ‬أو كاتباً‮ ‬صغيراً‮ ‬مبتذلاً‮ ‬بوسعه التقلب من خط دعائي‮ ‬إلى آخر بكل سهولة كعازف صندوق الموسيقى‮ ‬يعزف كل الألحان‮. ‬لكن في‮ ‬نهاية المطاف،‮ ‬لا بد من التساؤل بشأن كيفية كتابة كل هذه الكتب؟‮ ‬يعد الأدب،‮ ‬إذا كان ذا مستوى‮ ‬غير متدن،‮ ‬محاولة للتأثير على وجهة نظر البشر من خلال تسجيل التجربة‮. ‬وبقدر تعلق الأمر بحرية التعبير،‮ ‬لا‮ ‬يوجد فرق‮ ‬يذكر بين محض صحفي‮ ‬وبين أكثر الكتاب‮ "‬غير السياسيين‮" ‬الجامحين إلى الخيال‮. ‬بيد أن الصحفي‮ ‬ليس حراً،‮ ‬ويدرك انعدام حريته،‮ ‬عندما‮ ‬يُجْبَر على كتابة الأكاذيب وتحريف ما تبدو له أخباراً‮ ‬هامة؛ ولا‮ ‬يحظى الكاتب الجامح إلى الخيال بالحرية عندما‮ ‬يضطر إلى تزييف مشاعره الذاتية،‮ ‬والتي‮ ‬تعد من وجهة نظره الشخصية بمثابة حقائق‮. ‬قد‮ ‬يستطيع هذا الكاتب تشويه الحقيقة وتصوريها على هيئة كاريكاتير كي‮ ‬يجعل المعنى الذي‮ ‬يريده أكثر وضوحاً،‮ ‬لكنه لا‮ ‬يستطيع إساءة تمثيل المشهد في‮ ‬ذهنه؛ لا‮ ‬يقوى على القول بقناعة إنه‮ ‬يحب ما لا‮ ‬يحبه،‮ ‬أو أنه‮ ‬يؤمن بما لا‮ ‬يؤمن به‮. ‬وإذا ما أجبر على قول ذلك،‮ ‬فان النتيجة الوحيدة هي‮ ‬أن قدراته الابداعية ستضمحل‮. ‬ولا‮ ‬يستطيع حل المشكلة من خلال الابتعاد عن الموضوعات المثيرة للجدل‮. ‬لا‮ ‬يوجد شيء اسمه أدب‮ ‬غير سياسي‮ ‬بصدق،‮ ‬ولا سيما في‮ ‬زمان مثل زماننا هذا،‮ ‬عندما تقترب المخاوف والأحقاد والولاءات ذات الطابع السياسي‮ ‬المباشر من سطح وعي‮ ‬الجميع‮. ‬حتى أن جانباً‮ ‬محرماً‮ ‬واحداً‮ ‬قد‮ ‬يكون له تأثير معوق شامل على العقل،‮ ‬لأن ثمة خطراً‮ ‬دائماً‮ ‬بأن أية فكرة تستتبع بحرية قد تقود إلى فكرة مُحرمة‮. ‬ويترتب على ذلك نشوء جو شمولي‮ ‬قاتل لأي‮ ‬كاتب نثري،‮ ‬على الرغم من أن الشاعر،‮ ‬والشاعر الغنائي‮ ‬بوجه عام،‮ ‬قد‮ ‬يجد نفسه قادراً‮ ‬على التنفس‮. ‬هكذا،‮ ‬قد‮ ‬يكون أدب النثر الذي‮ ‬ساد خلال الأربعمائة سنة الماضية محكوماً‮ ‬عليه بالفناء في‮ ‬أي‮ ‬مجتمع شمولي‮ ‬تمكن من الصمود لأكثر من جيليين‮. ‬
لقد ازدهر الأدب أحياناً‮ ‬في‮ ‬ظل الأنظمة الاستبدادية،‮ ‬لكن وكما سبق الإشارة إليه أكثر من مرة،‮ ‬فان الاستبداد في‮ ‬العهود السابقة لم‮ ‬يكن شمولياً‮. ‬كانت أجهزته القمعية‮ ‬غير فعالة على الدوام،‮ ‬وغالبا ما كانت طبقاتها الحاكمة إما فاسدة،‮ ‬أو‮ ‬غير مبالية،‮ ‬أو ذات منظور نصف ليبرالي،‮ ‬وكانت العقائد الدينية السائدة تعمل عادة ضد الكمال ومفهوم العصمة البشرية‮. ‬وعلى الرغم مما تقدم،‮ ‬يمكن القول إجمالاً‮ ‬إن أدب النثر بلغ‮ ‬أرفع مراتبه في‮ ‬فترات الديمقراطية والحرية الفكرية‮. ‬لكن الجديد في‮ ‬الأنظمة الشمولية هو أن عقائدها ليست‮ ‬غير ممكنة التحدي‮ ‬فحسب،‮ ‬لكنها‮ ‬غير مستقرة أيضا‮. ‬وقد تعين القبول بها تحت وطأة عذاب التعرض للعنة الأبدية،‮ ‬لكن من جانب آخر،‮ ‬كانت تلك العقائد عرضة للتغير باستمرار في‮ ‬أي‮ ‬لحظة ومن دون سابق إنذار‮. ‬لنأخذ على سبيل المثال،‮ ‬المواقف المختلفة،‮ ‬غير المنسجمة على الاطلاق مع بعضها البعض،‮ ‬التي‮ ‬كان على الشيوعي‮ ‬الانكليزي‮ ‬أو‮ "‬أنصار الشيوعية‮" ‬أن‮ ‬يتبنوها حيال الحرب بين بريطانيا والمانيا‮. ‬لسنوت سبقت أيلول من العام‮ ‬1939? كان‮ ‬يتوقع من هذا الشيوعي‮ ‬أو المناصر له أن‮ ‬يكون في‮ ‬حالة قلق دائم حيال‮ "‬أهوال النازية‮"‬،‮ ‬وأن‮ ‬يحرف كل ما‮ ‬يكتبه باتجاه إدانة هتلر‮: ‬لكن بعد أيلول‮ ‬1939? ولمدة عشرين شهراً،‮ ‬كان عليه أن‮ ‬يعتقد بأن المانيا كانت قد اُتهمت بارتكاب آثام أكثر مما اقترفه الآخرون،‮ ‬وأن عليه أن‮ ‬يسقط كلمة‮ "‬نازي‮" ‬من قاموسه،‮ ‬قدر تعلق الأمر بالمواد المطبوعة‮. ‬لكن بعد سماعه نشرة أخبار الساعة الثامنة من صباح‮ ‬يوم‮ ‬22 حزيران‮ ‬1942? كان عليه أن‮ ‬يعتقد ثانيةً‮ ‬بأن النازية كانت أبشع شر شهده العالم على الاطلاق‮. ‬نستطيع القول حالياً،‮ ‬إنه‮ ‬يسهل على السياسي‮ ‬ان‮ ‬يغير مواقفه بهذه الطريقة‮: ‬لكن الأمر مختلف نوعاً‮ ‬ما قدر تعلق الأمر بالكاتب‮. ‬وإذا كان‮ ‬ينبغي‮ ‬على الكاتب أن‮ ‬يغير ولاءه في‮ ‬اللحظة المناسبة،‮ ‬كان عليه أيضاً‮ ‬إما أن‮ ‬يطلق الأكاذيب حول مشاعره الذاتية،‮ ‬أو أن‮ ‬يخفي‮ ‬كل تلك المشاعر‮. ‬في‮ ‬كلا الحالتين فانه قد دمر قدرته على العطاء‮. ‬حينها،‮ ‬لن ترفض الكلمات أن تراوده فحسب،‮ ‬بل ستبدو كل الكلمات التي‮ ‬يستخدمها وكأنها تتلعثم فوق لسانه‮. ‬تنطوي‮ ‬الكتابة السياسية في‮ ‬عصرنا الحالي‮ ‬بشكل كامل تقريبا على عبارات مصنوعة مسبقا،‮ ‬ومرتبطة واحدة بالأخرى،‮ ‬وكأنها قطع لعبة‮ (‬ميكانو‮) ‬الاطفال‮. ‬إنها النتيجة الحتمية للرقابة الذاتية‮. ‬لغرض الكتابة بلغة واضحة وقوية،‮ ‬على المرء أن‮ ‬يفكر من دون خوف،‮ ‬وإذا ما فكر المرء من دون خوف،‮ ‬فانه لن‮ ‬يكون متزمتاً‮ ‬سياسياً‮. ‬وقد‮ ‬يكون الأمر عكس ذلك في‮ "‬عصر الايمان‮" ‬،‮ ‬عندما تكون الأفكار التقليدية المتزمتة قد ترسخت ولا تؤخذ على محمل الجد‮. ‬في‮ ‬هذه الحالة ربما كان من الممكن،‮ ‬أو كان من الممكن بالفعل،‮ ‬لمساحات واسعة من عقل الانسان أن تبقى‮ ‬غير متأثرة بما‮ ‬يفكر به المرء بصورة رسمية‮. ‬وحتى في‮ ‬هذه الحالة،‮ ‬تجدر الملاحظة أن أدب النثر أوشك أن‮ ‬يختفي‮ ‬خلال عصر الايمان الوحيد الذي‮ ‬عاشته أوروبا بشغف‮. ‬عبر طيلة العصور الوسطى تقريباً،‮ ‬لم‮ ‬يكن ثمة أدب نثري‮ ‬تخيلي،‮ ‬ولم‮ ‬يجد هذا الأدب النثري‮ ‬التخيلي‮ ‬طريقه إلى الكتابات التاريخية إلا نادراً؛ بينما عبر قادة المجتمع المثقفون عن أخطر أفكارهم بلغة ميتة تكاد لم تتغير طيلة ألف عام‮. ‬
مع ذلك،‮ ‬فإن الشمولية لا تَعِدُ‮ ‬كثيراً‮ ‬بعصر إيمان بقدر ما تَعِد بعصر انفصام الشخصية‮. ‬يصبح المجتمع شمولياً‮ ‬عندما تصبح بنيته مصطنعة بشكل فاضح‮: ‬أي‮ ‬بعدما تفقد الطبقة الحاكمة دورها لكنها تنجح بالتشبث بالسلطة عن طريق القوة والاحتيال‮. ‬إن مجتمعاً‮ ‬مثل هذا،‮ ‬مهما طال بقاؤه،‮ ‬لا‮ ‬يمكنه أبداً‮ ‬أن‮ ‬يصبح متسامحاً‮ ‬أو مستقراً‮ ‬فكرياً‮. ‬ولا‮ ‬يمكن لهذا المجتمع أبداً‮ ‬أن‮ ‬يسمح بتسجيل صادق للحقائق أو الصدق الوجداني‮ ‬الذي‮ ‬يتطلبه الابداع الأدبي‮. ‬غير أن الفساد الذي‮ ‬يتفشى بالبشر جراء الشمولية لا‮ ‬يتطلب من المرء بالضرورة العيش في‮ ‬بلد شمولي‮. ‬إن مجرد تفشي‮ ‬أفكار محددة بوسعه أن‮ ‬ينشر نوعاً‮ ‬من السموم تجعل المواضيع،‮ ‬الواحد تلو الآخر،‮ ‬مادة مستحيلة الاستخدام للأغراض الأدبية‮. ‬حيثما توجد عقائد تقليدية مفروضة،‮ ‬أو حتى عقيدتين،‮ ‬كما‮ ‬يحدث‮ ‬غالباً،‮ ‬تتوقف الكتابة الجيدة‮. ‬وقد تجلى ذلك بشكل كبير خلال الحرب الاسبانية الأهلية‮. ‬كانت الحرب بالنسبة للعديد من المثقفين الانكليز تجربة مؤثرة للغاية،‮ ‬لكنها لم تكن تجربة‮ ‬يمكنهم الكتابة عنها بصدق‮. ‬كان ثمة أمران فقط مسموح لك بقولهما،‮ ‬وكلاهما أكاذيب واضحة‮: ‬نتيجة لما تقدم،‮ ‬انتجت الحرب أطناناً‮ ‬من المطبوعات،‮ ‬لكن أغلبها لم‮ ‬يكن جديراً‮ ‬بالقراءة‮. ‬

عدد المشـاهدات 151   تاريخ الإضافـة 18/06/2022   رقم المحتوى 64355
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2022/7/5   توقيـت بغداد
تابعنا على