00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  ‮  ‬مقامات اللّغو الإجتماعي

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

‮  ‬مقامات اللّغو الإجتماعي
‮ ‬مالك محمود الغشاميّ


‮  ‬لا‮ ‬يمكن معرفة دلالة أي‮ ‬عبارة بعيدًا عن المقام‮- ‬الموقف‮- ‬التي‮ ‬قِيلت فيه, والظروف المحيطة بالمتكلّم والمخاطب‮ ‬،‮ ‬فمثلًا المعنى الحرفيّ‮ ‬لقولنا‮ : (‬الحمد لله على السّلامة‮) ‬هو الدّعاء لا أكثر‮ ‬, لكن هذه العبارة قد تدخل في‮ ‬مقامات اجتماعيَّة أخرى, وفي‮ ‬كلّ‮ ‬مقام تختلف النَّغمة التي‮ ‬تصحب نطق العبارة, مثلًا عندما‮ ‬ينطق مدير دائرة هذه العبارة بنغمة مختلفة في‮ ‬وجه الموظف المتأخِّر عن الدّوام‮ .‬
فبكل تأكيد معنى العبارة‮  ‬في‮ ‬هذا المقام ليس للدعاء, بل للتّوبيخ والسّخط‮. ‬وهناك نوع من المقامات الاجتماعيّة أطلق عليها بعض علماء اللّغة المحدثين اسم‮ (‬مقامات اللّغو الاجتماعيّ‮) ‬ففي‮ ‬هذه المقامات أو المواقف‮ ‬يتبادل النّاس فيها الكلام،‮ ‬ولكنَّهم لا‮ ‬يقصدون به أكثر من شغل الوقت،‮ ‬وحل موقف اجتماعيّ‮ ‬لولا هذا اللّغو لكان فيه حرج‮. ‬والكلام الذي‮ ‬يُقال في‮ ‬هذا المقام ليس مقصودًا لذاته،‮ ‬فقد‮ ‬يكون موضوعه الطّقس أو السّياسة أو أيّ‮ ‬موضوع عام آخر،‮ ‬والحقائق التي‮ ‬يشتمل عليها هذا الموضوع معروفة عند طرفي‮ ‬المحادثة فلا‮ ‬يفيد أحدهما من سماعها أيّ‮ ‬قدر من المعلومات الجديدة،‮ ‬ولكن كلًّا من الطرفين‮ ‬يلغو رفعًا للحرج الذي‮ ‬يتوقعه نتيجة للصمت, ويضرب عالم اللّغة المصريّ‮ ‬الدّكتور تمّام حسّان‮ (‬ت2011م‮) ‬مثالًا على هذه المقامات في‮ ‬جلوس شخص بمفرده في‮ ‬حجرة انتظار أحد الأطباء, ولم‮ ‬يحضر الطّبيب إلى عيادته فيظلّ‮ ‬بمفرده‮ ‬ينتظر قدومه،‮ ‬وفجأة‮ ‬يقدم عليه زائر آخر, فيجلس الاثنان لا ثالث لهما, فلو سكتا ولم‮ ‬يفتح أحدهما بابًا للكلام‮ ‬,  فإنّهما سيتعرّضا لموقف مفعمًا بنوعٍ‮ ‬من الحرج الاجتماعيّ؛ فيشعر كلّ‮ ‬منهما برغبة في‮ ‬إنهاء الموقف؛ لتجنُّب هذا الحرج هي‮ ‬فتح موضوع لتبادل الكلام‮. ‬
ولكن المشكلة تكمن بكيفيَّة فتح الموضوع بينهما, فليس بين الاثنين تجارب مشتركة،‮ ‬ولم‮ ‬يرَ‮ ‬أحدهما الآخر قبل اليوم‮. ‬والجواب على ذلك أيضًا أن المجتمع الذي‮ ‬اخترع حيلة فتح الموضوع حدَّد بعض الموضوعات ذات الطّابع العامّ‮ ‬لهذا الغرض؛ بحيث لا‮ ‬يتعب إنسان في‮ ‬البحث عن موضوع‮ ‬،‮ ‬وهذه الموضوعات ذات طابع عام‮ ‬غير شخصي؛ بحيث لا‮ ‬يتأذّى بفتحها إنسان لا‮ ‬غائب ولا حاضر،‮ ‬فمن ذلك الكلام في‮ ‬الطقس وما‮ ‬يحسّ‮ ‬المتكلّم والسّامع من حرّ‮ ‬أو برد أو جوٍّ‮ ‬ربيعيّ‮ ‬أو خريفيّ‮ ‬لطيف مع تذكر تجارب سابقة عن حالات جويَّة تستحق التّذكر‮. ‬وقد تدعو مناسبة زيارة الطبيب إلى أن‮ ‬يفصح كل منهما للآخر عمَّا‮ ‬يشكو منه وعن تطوّر مرضه‮.‬
ومن الموضوعات المفضَّلة في‮ ‬هذه المواقف في‮ ‬البلاد العربيّة الكلام في‮ ‬السّياسة, ويروي‮ ‬بعض الظرفاء أنه إذا تقابل إنكليزيان فكلاهما في‮ ‬الطّقس،‮ ‬وإذا تقابل عربيان فكلامهما في‮ ‬السّياسة،‮ ‬وإذا تقابل‮ ‬يونانيان فكلاهما في‮ ‬المطاعم،‮ ‬والكلام في‮ ‬أوساط النساء عن الأزياء والأولاد‮ ‬, وهكذا‮. ‬
والكلام في‮ ‬كلّ‮ ‬ذلك ليس مقصودًا لذاته إلّا حين‮ ‬يتحوّل اللّغو إلى مناقشة تتطلَّب أن‮ ‬يكون لكلّ‮ ‬واحد من الطرفين رأي‮ ‬يدافع عنه،‮ ‬نستنتج مما سبق ذكره أن المقصود باللّغو الاجتماعيّ‮ : ‬هو رفع الحرج الاجتماعيّ‮ ‬عن شريكين في‮ ‬موقف خلقته الصّدفة‮.‬

 

عدد المشـاهدات 40   تاريخ الإضافـة 09/06/2021   رقم المحتوى 51099
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2021/6/24   توقيـت بغداد
تابعنا على