الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صلاح جياد يسهم في إثراء المخيّلة البصرية للطفل

← بواسطة azzaman

صلاح جياد يسهم في إثراء المخيّلة البصرية للطفل

فنان يحمل ألوانه وذاكرة الوطن إلى باريس

بغداد - جواد الرميثي

يُعدّ الفنان التشكيلي صلاح جياد المسعودي واحداً من الأسماء البارزة في تاريخ الفن التشكيلي العراقي، ومن الفنانين الذين تركوا بصمة واضحة في المشهد الفني خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، إلى جانب الفنانين فيصل لعيبي صاحي وسلمان الشهد. وقد امتازت تجربته الفنية بقدرتها على الجمع بين الحس الانطباعي والتعبير الإنساني، مستفيداً من دراسته الأكاديمية وخبرته في الرسم، فضلاً عن اشتغاله في مجال رسوم الأطفال التي قدّم من خلالها أعمالاً ذات طابع تاريخي وثقافي متميز.

وُلد جياد في عام 1947 في (محلة بريهة) بمنطقة العشار في مدينة البصرة، ونشأ في بيئة تركت أثرها في تكوينه الثقافي والبصري. وانتقل عام 1954 إلى محلة الجمهورية، المعروفة سابقاً بالفيصلية، حيث أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة، ثم واصل دراسته الثانوية في ثانوية البصرة الواقعة في منطقة الصبخة بالمدينة القديمة، وكان الفنان فيصل لعيبي صاحي أحد زملائه في تلك المرحلة.

بدأت ملامح موهبته الفنية بالظهور مبكراً، ففي خمسينيات القرن الماضي شارك في أحد المعارض السنوية التي أقامتها مديرية التربية في البصرة، مقدّماً مجموعة من الأعمال التي تأثر فيها بأسلوب الفنان الكبير حافظ الدروبي، فيما استلهم من أستاذه إبراهيم الكمالي طرائق التلوين وتقسيم المساحات داخل اللوحة.

ومع تطور تجربته، اتجه إلى الدراسة الفنية المتخصصة، فحصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة في بغداد خلال المدة 1964–1968، ثم التحق بأكاديمية الفنون الجميلة وتخرج فيها عام 1971، ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته التي جمع فيها بين العمل الفني والتجربة الصحفية والثقافية.

عمل جياد رساماً في مجلة مجلتي وصحيفة المزمار المخصصتين للأطفال ، منذ عام 1969 وحتى مغادرته إلى باريس عام 1976، وهي مرحلة مهمة في مسيرته ، إذ لم يقتصر دوره فيها على تقديم الرسوم التوضيحية، بل أسهم في إثراء المخيلة البصرية للطفل العراقي، وفتح أمامه نوافذ للتعرف على التاريخ والشخصيات والأحداث بأسلوب فني مشوّق. كما عمل في مجلة ألف باء الأسبوعية وصحيفة الجمهورية، جامعاً بين الرسم الصحفي والتعبير التشكيلي، في زمن كانت فيه الصحافة العراقية مساحة مهمة لاحتضان المواهب الفنية وتقديمها إلى الجمهور. وكان للأطفال نصيب بارز من إبداعه، إذ أنجز أعمالاً ومسلسلات مصوّرة ذات مضامين تاريخية ، من بينها «رحلة ماجلان» و«أحمد بن ماجد»، مقدّماً من خلالها مادة بصرية غير مألوفة آنذاك، تمزج المعرفة بالمتعة، وتقرّب الأحداث والشخصيات التاريخية إلى أذهان القراء الصغار. ولم تكن هذه الأعمال مجرد رسوم مرافقة للنصوص، بل مثّلت تجربة في توظيف الفن لخدمة الثقافة والتربية ، وإغناء مطبوعات الأطفال بلغة تشكيلية تحمل ملامح الفنان ورؤيته الخاصة.

كان جياد من المساهمين في تأسيس جمعية الأكاديميين، التي ضمت عدداً من الفنانين العراقيين، بينهم كاظم حيدر وفيصل لعيبي ونعمان هادي ووليد شيتة. وقــد جاءت هذه التجربة في سياق الحراك الفني الذي شهده العراق، مع سعي الفنانين الأكاديميين إلى ترسيخ حضورهم وتطوير أدواتهم التعبيرية.

وخلال عقد السبعينيات ، تفاعلت تجربته مع التحولات الفكرية والثقافية التي شهدها المجتمع العراقي ، وما رافقها من نقاشات حول وظيفة الفن وعلاقته بالواقع والإنسان والأيديولوجيا . وقد انعكست هذه التحولات على موضوعاته الفنية ، وعلى طريقة بناء اللوحة واستخدام اللون والجسد والحركة في التعبير عن القضايا الإنسانية والاجتماعية .

الانطباعية والتعبير عن الإنسان

ارتبط اسم صلاح جياد بالتوجه الانطباعي الذي تأثر فيه بأستاذه الفنان فائق حسن ، غير أن تجربته لم تبقَ محصورة في إطار أسلوبي واحد ، بل اتجهت نحو مساحات تعبيرية أوسع، ظهرت فيها الأجساد البشرية والحشود والحركات المشحونة بالتوتر بوصفها عناصر أساسية في بناء اللوحة.

وقد تميزت أعماله باستخدامات لونية غنية ، وبقدرة على توظيف اللون والحركة لتوليد أجواء نفسية وتعبيرية تنقل إحساس الفنان إلى المتلقي. وظل الحس الانطباعي حاضراً في أعماله حتى عندما اقترب من التعبيرية، الأمر الذي منح لوحاته خصوصية تجمع بين التأثر بالضوء واللون وبين الانشغال بالإنسان ومصيره.

باريس.. محطة جديدة في مسيرته الفنية

في عام 1976، غادر جياد العراق متجهاً إلى باريس ، حيث التحق بمدرسة الفنون الجميلة الفرنسية «بوزار» ، وتابع دراسته في تاريخ الفن حتى حصل على الدكتوراه ، وفق المعلومات المتاحة عن سيرته .وشكّلت باريس محطة مهمة في مسيرته ، إذ أتاحت له فرصة التعمق في دراسة تاريخ الفن ومدارسه واتجاهاته ، ومواصلة تطوير تجربته في بيئة فنية وثقافية مختلفة . وظل اسمه مرتبطاً بالجيل الذي أسهم في تشكيل ملامح الفن العراقي الحديث ، وبالتجارب التي جمعت بين التكوين الأكاديمي والانشغال بقضايا الإنسان والواقع .

رحيل الفنان وبقاء الأثر

بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفني والثقافي ، توفي الدكتور صلاح جياد المسعودي في العاصمة الفرنسية باريس يوم الاثنين 16 آذار/مارس عام 2020 ، عن عمر ناهز 73 عاماً ، بعد معاناة مع مرض السرطان .برحيله ، فقد الفن التشكيلي العراقي فناناً امتلك تجربة خاصة في الرسم والتعبير اللوني ، وترك أثراً في الصحافة العراقية ورسوم الأطفال ، فضلاً عن مساهماته في الحركة التشكيلية الأكاديمية .

إن استذكار صلاح جياد لا يقتصر على توثيق سيرة فنان عراقي عاش بين البصرة وبغداد وباريس ، بل يمتد إلى استعادة مرحلة مهمة من تاريخ الفن العراقي ، شهدت تحولات أسلوبية وفكرية كبيرة ، وأسهم فيها فنانون جعلوا من اللوحة مساحة للتعبير عن الإنسان وهمومه وتطلعاته .

لقد بقيت أعماله شاهداً على تجربة جمعت بين الحس الانطباعي والروح التعبيرية ، وبين البحث الجمالي والانشغال بالقضايا الإنسانية ، فيما ظلت أعماله الموجهة إلى الأطفال جزءاً من ذاكرة جيل تعرّف إلى التاريخ عبر الرسوم والقصص المصوّرة .


مشاهدات 71
أضيف 2026/10/28 - 3:29 PM
آخر تحديث 2026/10/29 - 3:34 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1729 الشهر 60079 الكلي 16645248
الوقت الآن
الخميس 2026/10/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير