الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مدرسةُ التجهيل.. فسادُ يسرق العقول

← بواسطة azzaman

مدرسةُ التجهيل.. فسادُ يسرق العقول

كفاح محمود

 

ثمّة تخلّفٌ يولد من العجز: شحُّ الموارد، وضعفُ الخبرة، وقسوةُ الجغرافيا. وثمّة تخلّفٌ آخر يولد من الإرادة؛ لا يقع على المجتمع كما تقع الكوارث، بل يُصنَع له كما تُصنَع القيود، ويُدار كما تُدار المشاريع، ويُصاغ به الجيلُ كما تُصاغ القوالب. الأوّلُ تُداويه التنميةُ والزمن، أمّا الثاني فلا يُداويه شيءٌ ما دام صانعُه ممسكاً بالمفاتيح. ذلك هو التخلّفُ الذي يبلغ ذروتَه حين يصير الجهلُ أستاذاً، ويغدو التجهيلُ مدرسةً لها مناهجُها وخرّيجوها وحرّاسُها.

اعتدنا، في البلدان التي أنهكها الفساد، أن نحصي الخسائرَ بلغة الأرقام: ملياراتٌ هُرّبت إلى الخارج، وعقودٌ وُهبت للمحاسيب، وموازناتٌ تبخّرت قبل أن تبلغ أبوابَ صرفها. وهذا الحسابُ، على فداحته، يبقى ناقصاً؛ فالمالُ المنهوب قد يُستردّ يوماً بحكمٍ قضائي أو تسويةٍ سياسية أو صحوةٍ متأخّرة، ويُعاد بناءُ ما تهدّم من جسورٍ ومستشفيات. أمّا أعمارُ الأجيال فلا تُردّ. كيف نستعيد سنواتِ شبابٍ حملوا الشهاداتِ ولم يحملوا المعرفة، وأتقنوا اجتيازَ الامتحان ولم يتعلّموا فهمَ الحياة؟ وكيف نعوّض مجتمعاً صار يقيس العلمَ بالورقة المختومة لا بالعقل الذي يسأل، ويقيس الكفاءةَ باللقب لا بما يُنجزه صاحبُه؟

هنا يكمن أخطرُ وجوه الفساد. فالفسادُ الذي يكتفي بسرقة الثروة يترك للمجتمع، على الأقل، عينَه التي ترى ولسانَه الذي يحاسب؛ يبقى الضحيةُ قادراً على أن يعرف أنه نُهب، وأن يسمّي ناهبَه. أمّا حين يمتدّ الفسادُ إلى المدرسة والجامعة، فإنه يسلب الناسَ الأداةَ التي يكتشفون بها السرقةَ أصلاً. يصبح المسروقُ شريكاً بصمته، لا لأنه راضٍ، بل لأنه لم يُعلَّم أن يسأل، ولم يُدرَّب على أن يميّز الحقَّ من الزيف، ولأنّ من نهبه هو نفسُه من كتب له الكتابَ الذي تعلّم منه.

ولم يكن تدهورُ التعليم في كثيرٍ من بلداننا مصادفةً بريئة، ولا مجرّدَ أثرٍ جانبيّ للحروب والحصار. فالشهاداتُ التي تُمنح بلا استحقاق، والجامعاتُ التي تتكاثر كالدكاكين وتبيع ألقابَها لمن يدفع، والدرجاتُ التي تُوزَّع بالولاء، والمقاعدُ التي تُقتسم بالمحاصصة، والمناهجُ التي تُكتب على مقاس العقيدة الحاكمة لا على مقاس العصر، والمعلّمُ الذي يُترك نهباً للفاقة حتى يبيع دروسَه الخصوصية ليعيش؛ كلّ ذلك ليس أعراضَ تقصير، بل أدواتُ حكم. إذ لا شيء أنفعُ لمن يديرون المشهدَ من جمهورٍ يحفظ ولا يفهم، ويطيع ولا يناقش، ويرى في الوعي ترفاً أو تهمة.

شهاداتِ مزوّرة

وليس العراقُ بعيداً عن هذه الصورة، بل لعلّه أشدُّ أمثلتها إيلاماً. فالبلدُ الذي كانت جامعاتُه يوماً قِبلةً لطلاب المنطقة، وكان أطبّاؤه ومهندسوه وأساتذتُه يُطلَبون بالاسم في عواصم قريبةٍ وبعيدة، صار اليوم يحصي الشهاداتِ المزوّرة في دوائره، ويتحدّث عن مدارسَ طينية ومدارسَ تعمل بثلاث وجبات، وعن خرّيجين بعشرات الآلاف يتظاهرون أمام الوزارات طلباً لوظيفةٍ لم يُعدّهم تعليمُهم لغيرها. لم يكن ذلك قدَراً نزل من السماء؛ فقد تعاقبت عليه دكتاتوريةٌ جعلت المدرسةَ ثكنةً لتلقين الولاء، ثم حروبٌ وحصارٌ أفقرت المعلّمَ وأذلّته، ثم نظامُ محاصصةٍ وزّع الوزاراتِ غنائمَ بين القوى، فكان التعليمُ أرخصَ الغنائم وأيسرَها نهباً. وفي كلّ مرحلةٍ كان الثمنُ يُدفع من العقل قبل الجيب.

وأدهى ما في هذه المدرسة أنها لا تُخرّج جهلةً فحسب، بل تُخرّج جهلةً يحملون صفةَ العارفين. فالأمّيُّ الذي يعرف أنه لا يعرف يظلّ قابلاً للتعلّم، أمّا المتعلّمُ المزيّف فمحصّنٌ بشهادته ضدّ السؤال، ثم يصعد بها إلى المنصب، فيقرّر ويشرّع ويعلّم بدوره، فتدور الحلقةُ دورةً أوسع. وحين يُكافأ الجهلُ ويُعاقَب الاجتهاد، يتعلّم الناشئةُ الدرسَ الحقيقيّ الوحيد: أنّ الطريقَ إلى الوظيفة والمكانة يمرّ بالحزب والعشيرة والطائفة، لا بالكتاب. وعندها تبدأ الهجرةُ الصامتة: يرحل المتفوّقون، ويبقى من تكيّفوا، فيخسر البلدُ عقولَه مرّتين؛ مرّةً حين لم يُحسن تعليمَها، ومرّةً حين لم يُحسن استبقاءَها.

الأممُ لا تسقط بالفقر وحده؛ فكم من شعبٍ فقيرٍ نهض بعقول أبنائه، وكم من بلدٍ غنيٍّ أهدر ثروتَه لأنه أهدر إنسانَه قبلها. إنها تسقط حين يُفرَغ التعليمُ من محتواه، وتغدو المعرفةُ خطراً على أصحاب السلطة، والمعلّمُ موظّفاً مقهوراً، والطالبُ رقماً في سجلّ الناجحين.

لذلك فإصلاحُ التعليم أكبرُ من تحديث المناهج وتجديد الأبنية وتوزيع الحواسيب، وأكبرُ من مؤتمراتٍ تنتهي بتوصياتٍ لا يقرؤها أحد. إنه معركةٌ سياسية وأخلاقية في آنٍ واحد: أن يُعاد للمعلّم اعتبارُه، وللشهادة صدقُها، وللسؤال حرمتُه، وأن تُستعاد المدرسةُ من الأحزاب كما تُستعاد الأرضُ من المحتلّ. إنها معركةٌ لاستعادة العقل ممّن جعلوا تجهيلَه وسيلةً لدوام سلطتهم. ومن دون أن نخوضها، سنظلّ نستردّ بعضَ المال المنهوب، ونخسر في المقابل ما هو أثمنُ منه: الإنسانَ القادرَ على أن يفهم، ويسأل، ويحاسب.

 


مشاهدات 68
الكاتب كفاح محمود
أضيف 2026/10/17 - 12:21 AM
آخر تحديث 2026/10/17 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 108 الشهر 31325 الكلي 16616494
الوقت الآن
السبت 2026/10/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير