الإعلام ومعركة العقول
فاضل محمد البدراني
مخطئٌ من يرى في الإعلام مجردَ مهمةٍ لنقل الأخبار، فيجرّده بذلك من استراتيجيته في بناء السردية والتحكّم بعقول الجماهير، أو قصفها كما يصفه البعض ب( المدفع). وعلى حدّ رؤية المفكر مالكوم إكس Malcolm X، فإن الإعلام له القدرة في التحكم بعقلية الجماهير، وهو قادرٌ على أن يجعل المذنب بريئاً، والبريء مذنباً.
إذ يرى فلاسفة الاعلام انه بتقاطع تقنيات الاتصال مع أدوات الذكاء الاصطناعي في العصر الرقمي وتعدد جهات الرواية الاعلامية سيما في الحروب والأزمات لم يعد السؤال: من انتصر في الميدان؟ بل أي رواية استطاعت التأثير في وعي الجمهور؟ إذ يمكن للرواية الإعلامية أن تعيد ترتيب الوقائع أو تقدمها بصورة تجعل الحقيقة نفسها موضوعًا للجدل.
روايات متداولة
في هذا السياق يمكن فهم ما أتيح لوسائل الإعلام في الحرب التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فقد ظهرت أساليب متقدمة من التضليل الإعلامي، وتعددت الروايات المتداولة حول الوقائع، في ظل توظيف واسع للذكاء الاصطناعي في صناعة الأخبار والصور والمقاطع المفبركة.
وقد أسهم الإعلام الرقمي، بما يمتلكه من تطبيقات ومنصات متعددة وشبكات تواصل اجتماعي، في تسريع انتشار هذه الروايات على نطاق عالمي. فخلال ساعات قليلة كانت الأخبار والصور تنتقل بين القارات، وتتشكل حولها مواقف وانطباعات لدى جمهور واسع.
الخطاب الاعلامي بين الخصوم
ولو تأملنا الخطاب الإعلامي المصاحب لهذه الحرب لوجدناه يتسم بسمات واضحة، منها الحضور المكثف للمؤتمرات الصحفية واللقاءات الحصرية عبر الفضائيات الكبرى. كما برزت المؤسسات الإعلامية الغربية، ولا سيما الأميركية، بوصفها مصادر رئيسية للأخبار، مثل نيويورك تايمز و واشنطن بوست، إلى جانب شبكات CNN و CBS.
كما كان للصحافة الإسرائيلية حضور بارز، مثل صحيفة يديعوت أحرونوت والقناة 12 الإسرائيلية، التي أصبحت من المصادر التي تتناقل عنها كثير من الفضائيات العربية الأخبار والتصريحات الرسمية.
ولم يقتصر التأثير الإعلامي على المؤسسات الكبرى، بل شاركت وسائل إعلام أقل شهرة ومنصات رقمية في نشر معلومات وتفاصيل لاقت صدى واسعًا لدى الجمهور. ويعود ذلك إلى اتساع رقعة الحرب وتداعياتها التي طالت عدة بلدان في الشرق الأوسط.
فإلى جانب إيران بوصفها طرفًا مباشرًا في الحرب، وإسرائيل من الجهة المقابلة، وُجهت اتهامات إلى دول أخرى باحتضان مصالح أميركية، الأمر الذي أدخلها في دائرة الاستهداف الإعلامي والسياسي. ومن بين هذه الدول بلدان مجلس التعاون الخليجي الست: السعودية، الكويت، قطر، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، وسلطنة عمان. كما وجد العراق نفسه متأثرًا بتداعيات الصراع، بين نشاط جماعات مسلحة من جهة، وعمليات قصف وضربات عسكرية من جهة أخرى.
أما المنصات الرقمية فقد أدت دورًا متزايد الأهمية؛ إذ تمكن مدونون وهواة من نشر معلومات وصور من مواقع الأحداث، ما جعلهم ينافسون وسائل الإعلام التقليدية في سرعة الوصول إلى الخبر. كما نشرت بعض المنصات مقابلات وتصريحات لمصادر مرتبطة بالأطراف المتحاربة.
وقد اتسم الخطاب الإعلامي في كثير من الأحيان بطابع تعبوي وعاطفي يسعى إلى التأثير في الرأي العام، مع الحرص على حجب بعض المعلومات التي قد تمس المصالح الوطنية للأطراف المعنية.
مؤسسات دولة
أما الإعلام الإيراني فقد واكب المعركة بخطاب داعم لمؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش والحرس الثوري والباسيج، مع تأكيد الرواية الرسمية للدولة في مواجهة الأطراف التي اتهمت بشن الحرب. واتسم هذا الخطاب بنبرة حادة هدفت إلى تعزيز الروح الوطنية ومواجهة الضغوط السياسية والإعلامية. وهكذا تحولت المواجهة إلى صراع موازٍ في الفضاء الإعلامي، حيث تتنافس الروايات وتتقاطع الصور والتفسيرات، ويصبح الرأي العام جزءًا من ميدان الصراع.
الاعلام ليس مجرد شاهدا
تكشف هذه الحرب عن حقيقة أساسية مفادها أن الإعلام لم يعد مجرد شاهد على الحروب، بل أصبح أحد ساحاتها الفاعلة. فالقوة في العصر الرقمي لا تُقاس بالقدرة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على إنتاج رواية إعلامية مؤثرة قادرة على تشكيل وصياغة الرأي العام، وبالطبع في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعّد التحدي يقتصر على نقل التفاصيل ومعرفة ما يجري، بل تعدى الى مهمة التمييز بين الحقيقة وصورتها المصطنعة، ولهذا فأن الحروب المعاصرة تُخاض في ميدانين متلازمين: ميدان السلاح وميدان الرواية الصحافية.
وإنطلاقا من هذا تبرز الحاجة إلى وعي إعلامي نقدي يحصّن المجتمعات من التضليل، ويعيد الاعتبار لدور الإعلام المهني الجاد بوصفه حارسًا للحقيقة، فالحرب قد تنتهي عسكريًا، لكن صراع الروايات الاعلامية لتفاصيل الأحداث يبقى مفتوحًا في الذاكرة والتاريخ.