الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
انت المسؤول

← بواسطة azzaman

انت المسؤول

عمر ربيع

 

تستوقفني دائمًا عبارة: «التعلّم في الصغر كالنقش على الحجر». فلو تأملنا الأحداث التي تمرّ بنا، خيرها وشرّها، لوجدنا أن كثيرًا منها هو نتيجة أفعال أشخاص آمنوا بمعتقدات معينة، فشكّلت تلك المعتقدات سلوكهم لاحقًا.

وهنا تُطرح أسئلة كثيرة، لعل أهمها: من أين جاءت معتقدات هؤلاء الأشخاص؟

يولد الإنسان على الفطرة السليمة، كما يُقال، وتكون صفحته في بدايات حياته بيضاء، وأول من يبدأ بملء تلك الصفحة هم الأهل، أو مَن يقوم مقامهم. فالأبوان يبدآن بتغذية العقول الغضّة، وغرس الأفكار والقيم فيها، ومن هنا تبدأ أصول الحكايات التي نراها في عالمنا؛ هنا تُزرع القيم والعادات والمعتقدات، وهنا تُورَّث الأحقاد والطيبة، وهنا أيضًا تنشأ العنصرية والتكتلات، وهنا تُصنع الأمم ويُشكَّل إرثها. إن طبيعة ما نتلقّاه هي أحد العوامل التي أسهمت في تشكيل ما نحن عليه اليوم.

تكمن خطورة الأمر في نوعية الأفكار التي تُغرس في العقول؛ فكل فكرة، مهما بدت بسيطة، قد تؤدي دورًا في رسم ملامح الشخصية، ومن ثمّ ملامح المجتمع. ومن هنا نفهم خصائص الشعوب، وتنوّع الأمم، واختلاف ثقافاتها وخصوصياتها.

فما نحن، إلى حدٍّ كبير، إلا نتاج أفكار موروثة تشكّلت عبر العصور، وانتقلت من جيل إلى آخر، بعضها أسهم في بناء الإنسان، وبعضها الآخر قيّده بأفكار لم يخترها بنفسه.

ولا يمكن للإنسان أن يكون بمعزل عن مجتمعه، أو أن يختلف عن محيطه في أفكاره وآرائه، إلا إذا أتيحت له فرص التعلّم من مصادر متنوعة، قد تتفق مع آراء مجتمعه أو تختلف معها. فالمعرفة تفتح أمامه نوافذ جديدة، وتمنحه فرصة مراجعة ما ورثه، والتمييز بين ما يستحق التمسك به وما ينبغي إعادة النظر فيه.

ومع ذلك، فإن اختلاف المجتمعات لا يعني غياب القيم الإنسانية المشتركة؛ فالسرقة، على سبيل المثال، سلوك مرفوض في الولايات المتحدة وأستراليا، كما هو مرفوض في مجتمعات كثيرة أخرى. وفي المقابل، قد يُعدّ سلوكٌ ما طبيعيًا أو مقبولًا في مجتمع معين، بينما يُنظر إليه في مجتمع آخر على أنه جريمة أو انتهاك للقيم السائدة.

نضج حقيقي

لكن السؤال الأعمق هو: هل نُعفى من مسؤولية أفكارنا لأننا ورثناها عن آبائنا ومجتمعاتنا؟ بالتأكيد لا؛ فالموروث ليس قدرًا مغلقًا، وما نتلقّاه في طفولتنا ليس بالضرورة ما يجب أن نؤمن به طوال حياتنا. إن النضج الحقيقي يبدأ عندما يمتلك الإنسان الشجاعة لمراجعة أفكاره، والتمييز بين ما تعلّمه لأنه صحيح، وما اعتقد بصحته لمجرد أنه نشأ عليه. فليس كل قديم حكمة، وليس كل جديد صوابًا، وإنما المعيار هو العقل والضمير واحترام الإنسان. وقد يكون أعظم ما يقدّمه الأبناء لآبائهم ومجتمعاتهم ألّا يكرّروا أخطاءهم، بل أن يحتفظوا بما هو نبيل في إرثهم، ويتخلّصوا مما أثقل الوعي بالأحقاد والتعصب. فالحضارة لا تتقدم حين نورّث أبناءنا أفكارنا كما هي، بل حين نمنحهم القدرة على التفكير فيها، وقبول الصالح منها، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح.

إن التنوع من سنن الكون، والاختلاف بين البشر أمر طبيعي، لكن مسؤوليتنا تكمن في توريث أبنائنا قيمًا أصيلة تسهم في تنشئة أفراد صالحين ومتنورين، يؤمنون بالله وبأنفسهم، ويملكون القدرة على النهوض بواقعهم، ويؤمنون بأهمية التماسك والتعاون في بناء المجتمع.

أنتَ وأنتِ معنيّان بكل ما سبق؛ فبتعلّمك وتطوّرك ووعيك، تسهم في رفد المجتمع بأفراد نافعين وواعين، أما الاستسلام للسوداوية والأحقاد والأفكار المتعصبة، فيسهم في صناعة مجتمع متناقض ومأزوم.

ختامًا، شكرًا لكل أبٍ وأمٍّ غرسوا الطيبة والمحبة في نفوس أبنائهم، وشكرًا لكل إنسان ساهم في نشر الأفكار النبيلة والقيم الإنسانية الأصيلة. وتبًّا لكل موروث يقوم على الأحقاد والكراهية والتعصب. اللهم ارحم واغفر لكل أمٍّ وأبٍ، ولكل مَن أسهم في زرع الأفكار الطيبة في هذا الكون.

 

 

 


مشاهدات 48
الكاتب عمر ربيع
أضيف 2026/10/17 - 12:19 AM
آخر تحديث 2026/10/17 - 1:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 31324 الكلي 16616493
الوقت الآن
السبت 2026/10/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير