رحلة العين الموعودة إلى سوق المفارقات
عامر محسن الغريري
اعلنت إحدى عيني جسدي الخروج عن الخدمة ، تاركةً أختها تواجه الحياة وحدها، بكل ما فيها من مناظر ومفارقات .
بعد قرار الماء الأبيض الوقوف في طريقها، متذرعًا بارتفاع السكر والتقدم في العمر، ورغم التفاوض معه، الاستعانة بقطرات الرطوبة والالتهابات ومذيبات الضباب، لعلّها تقنعه بإطلاق سراح النور وإعادة العين إلى وظيفتها. لكن الماء الأبيض، شأنه شأن بعض أصحاب النفوذ، لا يعرف التنازل المجاني؛ إذ يطالب بمبلغ باهظ مقابل فك قيود الضوء،
ومنذ ذلك الحين، صرت أمارس الحياة بعين واحدة، وأحاول استرضاءها، واعدًا إياها بألّا أحمّلها رؤية ما يخدش الذوق والجمال، أو يكشف من أخطاء الناس ما يفسد عليها صفاء النظر.
قلت لها مواسيًا: لستِ وحدكِ يا عزيزتي؛ فكثيرون في هذه الحياة يبصرون بعين واحدة، ويغمضون الأخرى عمدًا، كلما اقتربت الحقيقة من مصالحهم أو اصطدمت بقناعاتهم.
ولكي أمنح عيني العاملة فسحةً من الراحة، وعدتُها بزيارة ضاحية تقع جنوب بغداد، ، حيث تنتظرنا أسواق عامرة بالمفارقات .
هناك، سنرى بائع الأواني المنزلية وقد حوّل واجهة محله إلى معرض للقرطاسية؛ دفاتر وأقلام ومماحي ومبارٍ تتصدر المشهد، فيما تتوارى خلفها القدور والصحون والمغارف. ولا أدري أهو تنويع في التجارة، أم أن الأواني لم تعد تكفي وحدها لملء الواجهة!
اما مصلّح الثلاجات يمارس عمله إلى جوار صالون تجميل العرائس والسيدات؛ الأول يعالج العاطل في الثلاجات ويعيد الحياة اليها ، والثاني يتولى تجميل الوجوه ورسم دهشة الفرح على وجوه الناظرين لها ، وفي مكان اخر ما ان تخرج من احد الصيدليات حتى تجد البقال بانتظارك بالطماطم والخيار والبصل. والصيدلية والبقال يشتركان في غلاء الأسعار، ويختلفان في البضاعة !
كانت تلك بعض المفارقات التي وعدت عيني باكتشافها، على أمل أن تجد في غرائب السوق ما يخفف عنها عناء النظر إلى غرائب الحياة.