من اين انتِ؟
زيد علي الشمري
بالأمس، كان المطر يهطل، وكانت فيروز، عصفورة الصباح، تغني، وأنا أستمع إلى أغنيتها الشهيرة «حبيتك بالشتا». وفي ذلك الصباح، اصطحبت ابنتي إلى مدرستها مع بدء العام الدراسي الجديد.
عند بوابة المدرسة، شاهدت مئات الأطفال وهم يدخلون، وراية العراق ترفرف فوقهم. توقفت للحظة، وشعرت أنني لا أرى مجرد أطفال ذاهبين إلى مدارسهم، بل أرى مستقبل وطن كامل.
تذكرت شاعر العرب الأكبر، محمد مهدي الجواهري، وهو يخاطب علم العراق:
«يا علمُ قد سعدتْ بك الأوطانُ
فليسمُ منك على المدى سلطانُ»
وتذكرت بدر شاكر السياب وهو يقول:
«الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلامْ
حتى الظلام ـ هناك أجمل ـ فهو يحتضن العراقْ»
وفجأة عدت بذاكرتي إلى أول يوم دراسي لي. كنت طفلًا أقف للمرة الأولى في ساحة المدرسة، وأرفع العلم، بينما كانت إحدى المعلمات تقول لنا:
«حب الوطن من الإيمان».
مرت سنوات طويلة منذ ذلك اليوم، لكن المشهد لم يغادرني.
اليوم، وأنا أقف إلى جانب ابنتي، نظرت إلى وجهها، وقبّلتها، ثم قلت لها بهدوء:
العراق أولًا يا ابنتي، وفوق كل انتماء.
قد يغيّر الإنسان أفكاره، وقد يختلف مع جماعته أو طائفته أو مذهبه، وحتى اسمه يمكن أن يتغير، لكن هناك أشياء لا يستطيع الإنسان استبدالها؛ أبوه وأمه، والوطن الذي وُلد فيه.
وعندما تسافرين وتهبط الطائرة في مطار بعيد، لن يسألك أحد: إلى أي حزب تنتمين؟ ما مذهبك؟ ما قوميتك؟
سيكون السؤال الأبسط:
من أين أنتِ؟
فتقولين:
من العراق.
الغريب أنني، منذ فترة، وأنا أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، أقرأ مصطلح «وطنچي»، وأرى البعض يستخدمه للسخرية والتنمر، وكأن حب الوطن أصبح تهمة أو عيبًا.
لا يا ابنتي.
حب الوطن لا يعني أن نتوقف عن نقده، ولا يعني أن نغضّ الطرف عن أخطائه، بل ربما يكون حب الوطن الحقيقي هو أن نريده أفضل، وأن نرفض أن يتحول إلى غنيمة لأحد.
سماء الوطن هي سقف بيتنا، وأرضه هي الأرض التي نمشي عليها، وأبناء الوطن أهلنا، ودجلة والفرات ليسا مجرد نهرين؛ إنهما جزء من ذاكرة العراق، وعلى ضفافهما قامت حضارات ومدن تركت أثرها في تاريخ الإنسان.
يا ابنتي، قد نختلف في السياسة، وقد تختلف أفكارنا ومذاهبنا واتجاهاتنا، لكن الوطن يبقى المساحة التي تجمعنا جميعًا.
فإذا سألوك يومًا:
من أنتِ؟
قولي لهم ببساطة:
أنا ابنة العراق.
***
منه جئتُ، وإليه أعود، وبه أعرّف نفسي أينما كنت.
اكتب كمن يلقي حجرا ليحرك سكون العقول