الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بيلاي وترامب والعدالة

← بواسطة azzaman

بيلاي وترامب والعدالة

عبد الحسين شعبان

 

لم يكن رد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مفاجئاً بعد نيل القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام (2026)، حيث وصفها بغضب شديد بأقذع الأوصاف قائلاً: أنه لا يعرف من هي نافي بيلاي؟ وشكك في شهرتها وانجازاتها، وأضاف أن قرار منحها جائزة نوبل مخز ومحرج وهو « وصمة لا تمحى» على النرويج، وانتقد مواقفها من إسرائيل، وأضاف بأنه يستحق ثمانية جوائز نوبل للسلام، لأنه ساهم في تسوية ثمانية نزاعات، وقال إنه قد يتمكن من تسوية نزاعين إضافيين.

فماذا كان رد فعل القاضية بيلاي بعد أن صفق لها الجمهور طويلاً، في مؤتمر قانوني في نونمبرغ (المانيا) المدينة التي شهدت محاكمات نونمبرغ لمجرمي الحرب النازيين، حين خاطبت الجمهور وعلى شفتيها ابتسامة لا تخلو من سخرية قائلة: «إذا صفقتم أكثر قليلاً فقد أشارك ترامب هذه الجائزة». وقد أثار تعليقها عاصفة من الضحك بين الحاضرين. وأكّدت بيلاي أهمية الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان في وقت تتعرض فيه المؤسسات القضائية الدولية إلى تحديات وضغوط سياسية.

 وكانت واشنطن قد اتخذت عقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية بسبب مواقفها المستقلة، ولاسيّما إزاء حرب الإبادة على غزة وإقدامها على طلب التحقيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.

نظام اساسي

الجدير بالذكر أن المحكمة تأسست في روما في العام 1998 ودخلت حيز التنفيذ في العام 2002 بانضمام 60 دولة إليها حسبما يقتضي نظامها الأساسي، وكانت الولايات المتحدة قد انضمت اليها عشية غلق باب الانضمام وحذت حذوها إسرائيل، ولكنهما انسحبا منها بعد دخولها حيّز التنفيذ. وكان الهدف من دخولهما هو التأثير على صياغة نظامها الأساسي، وأما الانسحاب منها فكان هدفه إضعافها والتأثير على قرارات عدد من الدول بعدم الانضمام إليها أو تعليق عضويتها فيها.

والسؤال الذي يمكن أن نطرحه كقانونيين: هل يجوز معاقبة العدالة؟ وماذا فعلت بيلاي سوى تطبيق القانون؟

فمسيرة بيلاي القانونية تشهد لها حصرها على تطبيق العدالة وحكم القانون، وهي المولودة في مدينة ديربن (جنوب أفريقيا 1941) التي شهدت مؤتمراً ضد العنصرية العام 2001 أدانت فيه ثلاثة آلاف منظمة مجتمع مدني سياسات إسرائيل العنصرية، وكان لكاتب السطور شرف المشاركة فيه بصفته عضواً في اللجنة التحضيرية التي مثلت المنطقة العربية وصاغت النص بإدانة ممارسات إسرائيل .

وتعدّ بيلاي من أبرز الشخصيات الحقوقية والقضائية على المستوى الدولي، حيث ساهمت في بداياتها في الدفاع عن رمز التسامح العالمي نيلسون مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام الفصل العنصري، وتولت في العام 1995 كأول امرأة من البشرة السمراء منصب قاضية في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا، وشغلت لاحقاً منصب قاضية في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا ومن ثم في المحكمة الجنائية الدولية قبل تعيينها مفوضة سامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (2008- 2014) وهي الفترة التي تناولت خلالها انتهاكات حقوق الإنسان في عدد من مناطق النزاع بما فيها الأراضي الفلسطينية المحتلة .

لقد برز اسم بيلاي مترافقاً مع الملف الفلسطيني بعد أن تولت لجنة التحقيق الدولية المستقلة، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (أيار /مايو 2021) للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية وإسرائيل.

في أيلول/سبتمبر 2025 أصدرت اللجنة برئاسة بيلاي تقريراً خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وأشار التقرير إلى أربعة أفعال جاءت عليها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 من بينها القتل وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم، وفرض ظروف معيشية تستهدف التدمير المادي للفلسطينيين واتخاذ تدابير لمنع الإنجاب.

طوفان الأقصى

وأشارت بيلاي في كلمة لها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (تشرين الأول /أكتوبر 2025) إلى أن حكومة الاحتلال خلال العامين السابقين (المقصود بعد عملية طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023) أظهرت توجهاً نحو التدمير المنهجي للحياة الفلسطينية في غزة.

والشيء بالشيء يذكر فلم يكن رد الرئيس الأمريكي ترامب وحده ضد فوز بيلاي بجائزة نوبل للسلام، بل إن نتنياهو وصفها بأنها « متعصبة» واتهمها بأنها تساهم في «شيطنة اليهود» كما اعتبر لجنة التحقيق بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي ترأستها بيلاي قد «فقدت بوصلتها الأخلاقية».

إن مواقف الرئيس ترامب من حرب الإبادة واستهدافه المحكمة الجنائية الدولية بالعقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية يشكل تهديداً خطيراً للجهود الدولية التي تسعى لتحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب، فلا يجوز معاقبة العدالة لتطبيقها أحكام القانون، وتلك مسؤولية أخلاقية وإنسانية وقانونية تقع على عاتق المجتمع الدولي، الأمر الذي يحتاج إلى تحرك عاجل وسريع من جانب الذين يحرصون على امتثال الجميع للعدالة والقانون، فالقانون حسب مونتسكيو مثل الموت لا ينبغي أن يستثني أحداً.

 


مشاهدات 37
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/10/17 - 12:17 AM
آخر تحديث 2026/10/17 - 1:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 31324 الكلي 16616493
الوقت الآن
السبت 2026/10/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير