هل يمكن أن يموت الدستور ؟
نوري جاسم
هل يموت الدستور فعلًا؟ سؤال يبدو غريبًا للوهلة الأولى، فالدستور نص مكتوب، والنص لا يموت بالمعنى الذي يموت به الإنسان. لكنه قد يفقد روحه، وتتعطل قيمه، وتصبح مواده حبرًا على ورق، وهنا تبدأ فكرة «الموت الدستوري». الدستور لا يعيش بمجرد وجوده في كتاب أو سجل رسمي، وإنما يعيش عندما تتحول قواعده إلى ممارسة، ومبادئه إلى سلوك، وحدوده إلى احترام حقيقي للسلطة والمواطن معًا. فإذا أُهدرت الحقوق، وتجاوزت السلطات اختصاصاتها، وضعفت الرقابة، وأصبح النص الدستوري يُفسَّر وفق موازين القوة والمصلحة، فإن الدستور قد يبقى موجودًا من الناحية الشكلية، لكنه يكون قد بدأ يموت من الناحية الموضوعية. المشكلة ليست دائمًا في الدستور نفسه، فقد يكون النص جيدًا ومتقدمًا، لكن الخلل يكمن في البيئة السياسية التي تحيط به. فالدستور لا يستطيع وحده أن يمنع الاستبداد، ولا يستطيع أن يصنع دولة مؤسسات إذا غابت الثقافة الدستورية، وضعفت المسؤولية، وتحولت السلطة من وظيفة عامة إلى وسيلة للنفوذ.
وقد يكون أخطر ما يصيب الدستور ألا يُلغى، بل أن يبقى موجودًا بينما تتآكل قيمه في الواقع. فالإلغاء الواضح قد يوقظ المجتمع، أما الدستور الذي يحتفظ بشكله بينما تفقد نصوصه أثرها، فإنه يصنع وهمًا خطيرًا بوجود دولة دستورية.
لذلك، فإن موت الدستور ليس بالضرورة موت نصه، وإنما موت قدرته على تنظيم السلطة وحماية الحرية وتحقيق التوازن بين مؤسسات الدولة. ويبقى السؤال الأهم: هل نحيا في ظل الدستور، أم نكتفي بأن يكون الدستور حيًّا على الورق؟