إستقلال بالتقسيط.. كل جيلٍ يدفع الثمن وينتظر الدولة
كاظم نزار الركابي
في الموصل، تدلّى علم عراقي عملاق من منارة الحدباء التي عادت إلى سماء المدينة. تحتها بيوت تعرف معنى أن يستعيد المكان وجهه، وأهل يحملون في ذاكرتهم صورة المئذنة قبل تفجيرها وبعده. وفي الأيام نفسها، احتفل العراق بانتهاء مهمة التحالف الدولي، واستقبل الثالث من تشرين الأول، ذكرى دخوله عصبة الأمم. اجتمع في أسبوع واحد علمٌ يعود إلى مدينة، وقواتٌ أجنبية تغادر، ودولةٌ تستعيد يوم الاعتراف باستقلالها. وبين هذه المشاهد ينهض سؤال ثقيل: كم مرّة يستقلّ العراق؟
قبل أربعة وتسعين عامًا، في الثالث من تشرين الأول عام 1932، دخل العراق عصبة الأمم، أول دولة عربية تنال عضويتها. حمل ذلك اليوم ثمرة كفاح سياسي، وفتح للمملكة موقعًا بين الدول المعترف بها. كان العلم أعلى من ذي قبل، وكانت الأرض تحته تحمل إرث الانتداب الذي انتهى، ومعاهدة التحالف التي حدّدت شروط العلاقة مع بريطانيا.
بين جنيف والموصل، يمتد عمر دولة دفعت أجيالها أثمانًا متعاقبة كي تمتلك قرارها. وفي كل مرة يقترب فيها العراقي من الاحتفال بوطن اكتمل، يجد أمامه مهمة تأسيس جديدة. كأن الأب يورّث ابنه سؤال الاستقلال، ويترك له بقية الجواب.
أتاحت معاهدة عام 1930 لبريطانيا الاحتفاظ بقواعد جوية قرب البصرة وغرب الفرات. وفي إطار تلك الترتيبات، افتُتحت لاحقًا القاعدة التي عُرفت بالحبانية. هكذا دخل العراق المنظمة الدولية حاملًا اعتراف العالم باستقلاله، فيما احتفظت بريطانيا، القوة المنتدبة سابقًا، بمواضع قدم داخل أرضه. كان للدولة مقعد في الخارج، وللبريطانيين موقع في الداخل.
وفي أيار عام 1941، أقلعت الطائرات البريطانية من الحبانية لتقصف القوات العراقية المحيطة بها. بعد أقل من تسع سنوات على دخول العصبة، جاء القصف من قاعدة أتاحتها المعاهدة التي مهّدت للاستقلال.
انتقال الوجود البريطاني
ثم جاءت سنوات التغيير على مراحل. انتقلت قيادة الحبانية إلى العراقيين عام 1955، واستمر الوجود البريطاني فيها حتى نهاية أيار عام 1959. بين العضوية الدولية وانتهاء ذلك الوجود نحو سبعة وعشرين عامًا. جيل كامل عاش داخل المسافة بين إعلان الاستقلال واستكمال بعض شروطه على الأرض.
والمفارقة أن عصبة الأمم نفسها حُلّت عام 1946، قبل انتهاء الوجود البريطاني في الحبانية بثلاثة عشر عامًا. انطوت المؤسسة التي استقبلت العراق المستقل، وظل بعض إرث الانتداب حاضرًا بعد انطوائها. خرجت العصبة من التاريخ، وبقيت القاعدة فيه.
ذلك هو المعنى الذي تحمله سيادة السارية: يتقدم الرمز، وتواصل الدولة معركتها لبلوغ معناه. كان الاعتراف منجزًا تأسيسيًا حقيقيًا، وكانت السيادة عملًا تاريخيًا يتطلب مؤسسات وقدرة وقرارًا. وقيمة ذلك المنجز تكبر حين نضعه داخل شروط زمنه، ونرى المسافة التي قطعها أصحابه والمسافة التي تركوها لمن جاء بعدهم.
كلُّ عهدٍ يبدأ التاريخ
في الرزنامة العراقية تواريخ للاستقلال، وخـــــــروج القوات الأجنبية، وتبدّل أنظمة الحكم. ولكل تاريخ ظروفه وتضحياته ودلالته. ويتحدد وزن هذه المناسبات بما تضيفه إلى حياة الدولة، وبقدرتها على جمع العراقيين حول ملكية مشتركة لوطنهم.
تبدأ القطيعة حين يجعل الحاكم تاريخ وصوله بداية البلاد. عندها تتحول العقود السابقة إلى ملف اتهام، وتُوزّع الوطنية بأثر رجعي، ويُطلب من المواطن أن يعيد ترتيب ذاكرته وفق ترتيب السلطة الجديدة. يحمل العراقي عمرًا واحدًا، وتطالبه السياسة بأعمار متعارضة.
وهنا يتعثر اكتمال الاستقلال؛ إذ يربط كل عهدٍ الدولةَ بمصيره، ويحمل سقوطه معه شيئًا من مؤسساتها وخبراتها. يدفع العراقيون أقساط السيادة، ثم تأتي القطيعة لتطالب أبناءهم بدفع الثمن من جديد.
هنا تنزف الدولة رصيدها الأثمن. فاستمرار المؤسسات يحفظ الخبرة، واستقرار الحقوق يمنح الناس القدرة على التخطيط لحياتهم. وحين تقطع السلطة هذا التراكم، تدفع البلاد كلفة التأسيس مرارًا. تتغير الصور على الجدران، ويعود المواطن إلى السؤال الأول: أيّ دولة ستصل إلى أبنائي؟
السلطة التي تبدأ التاريخ من وصولها، تحكم على شعبها بالبداية من الصفر.
وتلك كلفة تمتد إلى معنى الانتماء نفسه. فالعراقي الذي يجد تاريخ أسرته مطرودًا من الرواية الرسمية يحتاج إلى ضمانة بأن مكانه في الوطن أرسخ من رضا الحاكم عنه. وتحتاج الدولة إلى شجاعة الاعتراف بأن تاريخها أوسع من تاريخ المنتصرين، وأن خسارات أبنائها جزء من ذاكرتها ومسؤوليتها.
عيدٌ يتّسع لأهله
يحمل الثالث من تشرين الأول معنى استقلال الدولة، ويحمل لدى عراقيين أيضًا ذكرى رحيل جلال طالباني. ويستدعي التاريخ الملكي عند بعضهم بناء المؤسسات، وعند آخرين مظالم وأسئلة عن التمثيل. وفي الذاكرة الجمهورية آمال بالعدالة، وانقلابات وحروب وفقدان. هذه طبقات من تاريخ عاشه الناس، وانتقل إلى أبنائهم في صور وحكايات وندوب.
الدولة الناضجة تمنح هذه الذاكرات مكانًا في بيتها. يتسع علمها لمن يختلفون في قراءة الأمس، ويجمعهم اتفاق على حقوق اليوم وضمانات الغد. يستطيع البصري والبغدادي والأربيلي والموصلي والأنباري أن يحملوا ذكريات مختلفة، وأن يطالبوا بالدستور ذاته، وبقضاء مستقل، وبالمساواة في الكرامة.
فالعيد الوطني يكتسب قوته حين يشعر المواطن بأن له حصة في معناه، وحين يرى أسرته ولغته ومدينته وتضحيات أهله داخل الحكاية الوطنية. عندئذ يغدو رفع العلم فعل انتماء، وتغدو المناسبة موعدًا يجدد فيه الناس ثقتهم بما يجمعهم.
ومن هنا يأتي امتحان أيام السيادة الراهنة. أعلنت الحكومة اكتمال السيادة، وحددت لحصر السلاح بيد الدولة موعدًا أقصاه الثلاثون من حزيران عام 2027. اجتمع إعلان الاكتمال وجدول الاستكمال في خطاب واحد. وصار للسيادة موعدٌ للاحتفال، وموعدٌ آخر للوفاء.
ويأخذ المنجز معناه الدائم حين يستقر القرار داخل مؤسسات الدولة، وتُصان حقوق المختلفين معها، وتبقى قواعد الحكم نافذة بعد تبدل شاغلي المناصب. السيادة التي تورَّث إلى الأجيال تحتاج دولة تعرف كيف تستمر.
الحدباء تعرف الطريق
في الموصل، أُعيد بناء الحدباء بهيـئتها المائلة، بعد أن حملت ذاكرة المدينة لأكثر من ثمانية قرون. أعاد العراقيون، بشراكة مع اليونسكو وداعمي المشروع، معلمًا يعرفه أهل المكان. وحفظ البناء الجديد صلته بالصورة التي بقيت في عيونهم.
عادت الحدباء تحمل ملامحها. وصل البناء الجديد ما انقطع من ذاكرة المكان، ومنح أبناء المدينة شعورًا بأن تاريخهم قابل للاستعادة. وتحتاج الدولة العراقية إلى هذه الصلة: أن يجد كل جيل أثره محفوظًا في مؤسسات الوطن، وأن يضيف إلى ما ورثه، وأن يترك لمن يأتي بعده أرضًا أصلب للوقوف.
العراق يستحق عيدًا يطمئن فيه الأب إلى أن ابنه سيبني على ما أنجزه. يستحق أن يرث الجيل المقبل استقلالًا تحرسه مؤسسات، وحقوقًا تستمر، وذاكرة تتسع لأصحابها. عندها يحمل الاحتفال معنى التقدم، ويحمل العلم خبرًا عن الأرض التي يرتفع فوقها.
أثقل ما يورّثه الآباء لأبنائهم وطنٌ يحتاج إلى الاستقلال من جديد.