سلام جبار.. البيت والذاكرة
حين يصبح الإغتراب فلّسفة للصورة واللّوحة سؤالاً عن الإنسان
ثامر الناصري
ليس كلُّ فنانٍ يرسم العالم كما تراه العين، فثمة فنانون ينفذون إلى ما وراء المرئي، حيث تختبئ الأسئلة الكبرى في تفاصيل الحياة اليومية، وحيث تتحول الوجوه والأمكنة والأشياء من عناصر مألوفة إلى علامات مشحونة بالدلالات. هناك، عند تخوم الواقع والذاكرة، يقف الفنان الأكاديمي الدكتور سلام جبار، أستاذ فلسفة الجمال في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، بوصفه تجربة تشكيلية وفكرية تستحق قراءة تتجاوز حدود الوصف البصري إلى استكشاف البنية الفلسفية التي تمنح أعماله خصوصيتها وفرادتها. إن الحديث عن سلام جبار لا ينحصر في منجز رسام متمكن من أدواته، ولا في تجربة أكاديمية تنتمي إلى فضاء المعرفة الجمالية فحسب؛ بل يتصل بفنان يجعل من اللوحة مختبرًا للأسئلة الإنسانية، ومن الصورة خطابًا يتجاوز ظاهر الأشياء إلى ما تتركه في النفس من قلق وحنين وتأمل. إنه لا يكتفي بأن يجعلنا نرى، بل يدعونا إلى إعادة النظر في معنى ما نراه، وكأن عينه الفنية لا تتوقف عند حدود المشهد، وإنما تواصل البحث في طبقاته النفسية والثقافية والوجودية. وفي التجارب التشكيلية التي تتكئ على وعي فلسفي، لا يكون الجمال زينةً تضاف إلى العالم، بل يصبح طريقة في مساءلته. وهذا ما يجعل تجربة سلام جبار جديرة بالقراءة من منظور سيميولوجي؛ إذ لا تتعامل الصورة فيها، وفق هذا المدخل النقدي، بوصفها مساحة لتمثيل الواقع فحسب، وإنما بوصفها نظامًا من العلامات، تتفاعل فيه الألوان والأجساد والملابس والأثاث والعمارة والفراغات لتشكيل معنى لا يُستنفد عند النظرة الأولى. فالعنصر المرئي قد يحتفظ بوظيفته الواقعية، لكنه يكتسب، في الوقت ذاته، وظيفة رمزية تتجاوز حضوره المباشر. والمكان ليس خلفية صامتة، والإنسان ليس مجرد شخصية داخل إطار، والشيء ليس تفصيلًا عابرًا؛ فكل منها يستطيع أن يتحول إلى علامة على حالة نفسية أو علاقة اجتماعية أو ذاكرة ثقافية أو اغتراب وجودي.
من هنا تتجلى أهمية الاشتغال الجمالي لدى فنان يجمع بين الممارسة التشكيلية والتدريس الأكاديمي لفلسفة الجمال. فالمعرفة النظرية، حين تتفاعل مع الخبرة الفنية، تستطيع أن تفتح أمام الصورة آفاقًا أوسع، وتجعل التكوين البصري مجالًا للتفكير، لا مجرد وسيلة لإظهار المهارة. إن القيمة التي تستحق التوقف عندها في تجربة سلام جبار هي هذه المسافة الدقيقة بين ما تعرضه اللوحة وما توحي به؛ بين الشيء في حضوره المادي والشيء في دلالته الإنسانية. وفي هذه المسافة تحديدًا تبدأ القراءة، ويتحرر المتلقي من الاكتفاء بما تراه العين، ليبحث عما تقوله الصورة بصمتها.
نماذج بصرية
وتتيح أعمال سلام جبار، كما تتبدى في نماذجها البصرية، قراءةً لما يمكن تسميته الواقعية الاغترابية؛ وهي مقاربة نقدية تصف حضور عناصر واقعية مألوفة داخل مشاهد تكتسب، من خلال تنظيمها وعلاقاتها، إحساسًا بالغربة أو الانفصال أو الترقب. في هذا النوع من الاشتغال، لا يحتاج الفنان إلى مغادرة الواقع كي يصنع الدهشة؛ فالواقع نفسه يحمل ما يكفي من التناقضات التي تجعل المألوف غريبًا، والقريب بعيدًا، واللحظة العابرة قابلة للتحول إلى سؤال طويل عن الإنسان ومصيره.
تبدو الشخصيات في مثل هذه المشاهد مرتبطة بأمكنتها، لكنها لا تبدو دائمًا مستقرة فيها على المستوى النفسي. وقد تجتمع الأجساد في فضـــــــاء واحد، بينمــا تظل المســافات المعنوية قائمـة بينها.
البقية وقد تحضر الأشياء بوضوح، فيما تظل العلاقات التي تربطها مفتوحة على التأويل.
وهنا تكمن إحدى إمكانات القراءة السيميولوجية: فالمعنى لا يسكن العنصر منفردًا، بل يتشكل من العلاقة بين العناصر. إن وضعية الجسد، واتجاه النظرة، وموقع الشخصية من مركز التكوين، وطبيعة الفراغ المحيط بها، كلها تفاصيل يمكن أن تسهم في بناء دلالة الاغتراب.
ولا يعني الاغتراب هنا بالضرورة السفر أو مغادرة الوطن وحدهما؛ فقد يكون اغترابًا عن المكان، أو عن الآخرين، أو عن الذات، أو عن زمن لم يعد الإنسان قادرًا على استعادته. وقد يكون ذلك الشعور الخفي بأن المرء يعيش داخل عالم يعرفه، لكنه لم يعد يشعر بأنه ينتمي إليه تمامًا.
بهذا المعنى، لا تبدو الواقعية في هذه المقاربة نقيضًا للغرابة، بل تصبح أداتها الأكثر قدرة على إثارة السؤال. فكلما اقترب المشهد من الحياة المألوفة، ازدادت قدرة التكوين على استدعاء خبرات المتلقي الشخصية، وفتح باب التأويل أمام ذاكرته ومخاوفه وأسئلته.
في اللوحة التي تجمع أفراد أسرة حول جهاز راديو، تتشكل أمامنا بنية بصرية تستحق التأمل؛ فالمشهد لا يستمد دلالته من الأشخاص وحدهم، بل من العلاقة التي تجمعهم بالمكان وبالجهاز وببعضهم بعضًا.
يحتل الراديو موضعًا بارزًا في مركز التكوين، وكأنه بؤرة تتجمع حولها الانتباهات. وتبدو الشخصيات في حالة إنصات وترقب، فيما يمنح الأثاث البسيط والملابس التقليدية والهيئة العامة للمكان المشهد طابعًا اجتماعيًا يستحضر زمنًا كانت فيه وسائل الاتصال محدودة، وكانت الكلمة المسموعة قادرة على جمع الأسرة في لحظة مشتركة.
لكن الراديو، في قراءة تتجاوز وظيفته التقنية، يمكن أن يتحول إلى علامة على علاقة الإنسان بالعالم الخارجي. إنه صوت يأتي من مكان بعيد، ويعبر المسافة ليصل إلى غرفة صغيرة، فيربط البيت بأحداث لا يراها ساكنوه، ويجعل العالم حاضرًا داخل فضائهم الخاص.
هنا تتداخل الدلالة الشخصية مع الدلالة الجماعية. فالأسرة ليست مجرد مجموعة أشخاص يستمعون إلى جهاز؛ إنها صورة لعلاقة الإنسان بالخبر والانتظار والذاكرة، ولحظة من لحظات الحياة التي كان فيها الإصغاء فعلًا اجتماعيًا يجمع الأفراد حول مصدر واحد للمعرفة والتوقع.
وفي المقابل، يمكن قراءة الهدوء الذي يحيط بالمشهد بوصفه مساحة معلقة بين ما يحدث داخل البيت وما يأتي إليه من الخارج. فالصوت غير المرئي يكتسب حضورًا مؤثرًا، فيما تبقى الشخصيات في انتظار ما يحمله. وهكذا يصبح الغائب، أي الصوت الذي لا نراه، عنصرًا أساسيًا في بناء المشهد المرئي.
هذه القدرة على استدعاء المعنى من خلال علاقة بسيطة بين الإنسان والشيء تمنح اللوحة قابلية للقراءة الثقافية؛ إذ لا يعود الراديو مجرد جهاز قديم، بل يصبح حاملًا لذاكرة جيل، وشاهدًا على أنماط من الاجتماع الإنساني، وعلامة على زمن كانت فيه الأسرة تتشارك لحظة الإصغاء قبل أن تتوزع انتباهاتها على عوالم متباعدة.
إنها صورة تذكّرنا بأن الأشياء لا تحتفظ بقيمتها من مادتها وحدها، بل من الحياة التي مرّت عبرها، والأصوات التي حملتها، والوجوه التي اجتمعت حولها.
أما اللوحة التي تستحضر فضاء المحطة، فإنها تفتح أفقًا دلاليًا مختلفًا، تتقدم فيه الحركة والعبور والانتظار إلى واجهة القراءة.
المحطة مكان لا ينتمي إلى الاستقرار الكامل؛ إنها فضاء مؤقت تتقاطع فيه طرق الناس، وتلتقي داخله مصائر لا تعرف بعضها بعضًا. يأتي إليه المسافر حاملًا وجهة، ويغادره آخر تاركًا وراءه مكانًا، فيما يظل بعض الواقفين عالقين بين لحظة الرحيل ولحظة الوصول.
في هذا السياق، يصبح القطار أكثر من وسيلة نقل، وتغدو الحقائب أكثر من أدوات لحفظ المتاع، ويتحول الانتظار إلى حالة إنسانية تتجاوز الزمن الذي تقيسه الساعة. فكل حقيبة قابلة لأن تستدعي سؤالًا عن الحياة التي يحملها صاحبها معه، وكل وجه يمكن أن يخفي حكاية لم تُروَ، وكل نظرة قد تشير إلى مستقبل مجهول أو ماضٍ لم ينتهِ أثره.
وتمنح العمارة ذات الأقواس المتكررة المشهد إيقاعًا بصريًا يوجه العين نحو امتداد المكان، فيما تتوزع الشخصيات بين الجلوس والوقوف والحركة. وهذا التباين في الوضعيات يفتح المجال لقراءة العلاقة بين الفرد والجماعة: الجميع موجودون في المكان نفسه، لكن لكل منهم زمنه الخاص وانتظاره المختلف.
أما الطائر الأبيض في مقدمة المشهد، فيمكن أن يُقرأ بوصفه علامة محتملة على الحرية أو العبور أو الهشاشة أو الأمل. غير أن قيمته الدلالية لا تُحسم بمعنى واحد؛ فهي تتشكل من علاقته بالفضاء المحيط به، ومن موقعه إزاء الشخصيات والحقائب والقطار.
وهذه إحدى خصائص الرمز التشكيلي الناجح: أنه لا يغلق المعنى على إجابة جاهزة، بل يتركه مفتوحًا أمام تعدد القراءات، من دون أن يفقد تماسكه داخل التكوين.
ولعل ما يمنح مشهد المحطة قوته التأويلية هو قدرته على استدعاء تجربة إنسانية مشتركة؛ فالرحيل ليس دائمًا انتقالًا جغرافيًا، والانتظار ليس مجرد وقت يمضي، والوصول لا يعني بالضرورة نهاية الغربة. قد يغادر الإنسان مكانًا ليبحث عن نفسه، وقد يصل إلى مكان جديد وهو لا يزال يحمل داخله المسافة ذاتها.
وهكذا تتحول المحطة إلى استعارة للحياة، حيث لا يكف الإنسان عن الانتقال بين ما كان وما يريد أن يكون، وبين ما تركه خلفه وما لم يتأكد بعد من إمكان الوصول إليه.
إن من أهم المداخل التي يمكن اعتمادها في قراءة تجربة سلام جبار النظر إلى الأشياء بوصفها عناصر فاعلة في إنتاج المعنى. فالمقعد، والنافذة، والملابس، والراديو، والحقائب، والساعة، والأقواس المعمارية، ليست بالضرورة تفاصيل ثانوية؛ إذ يمكن أن تتحول إلى علامات تستحضر أنماط العيش، والتحولات الاجتماعية، وعلاقة الإنسان بالزمن والمكان.
فالشيء في العمل التشكيلي قد يؤدي وظيفتين متداخلتين: وظيفة واقعية تحفظ صلته بالعالم المادي، ووظيفة إيحائية تنقله إلى فضاء الذاكرة والتأويل.
ومن هنا تنبع أهمية التفاصيل في الأعمال التي تتعامل مع الإنسان داخل بيئته اليومية؛ فهي تمنح الصورة قدرتها على استعادة ما لا تقوله الحكاية بصورة مباشرة. قد لا يحتاج الفنان إلى كتابة تاريخ أسرة على جدار، لأن أثاثها وملابسها وطريقة اجتماع أفرادها تستطيع أن تقدم إشارات إلى عالمها الاجتماعي. وقد لا يحتاج إلى شرح معنى الرحيل، لأن الحقيبة والمحطة والانتظار قادرة على فتح هذا الباب أمام المتلقي.
لكن قوة العلامة لا تأتي من وجودها وحده، بل من موقعها في بنية العمل، ومن علاقتها ببقية العناصر. وهذا ما يجعل القراءة السيميولوجية عملية تتطلب النظر إلى الصورة بوصفها كلًا مترابطًا، لا مجموعة رموز منفصلة يمكن منح كل منها معنى ثابتًا.
إن الصورة التي تحتمل التأويل ليست بالضرورة صورة غامضة، كما أن الصورة الواضحة ليست بالضرورة صورة بسيطة. فقد يكون المشهد مفهومًا في مستواه المباشر، لكنه يظل غنيًا بالمعاني في مستوياته الثقافية والنفسية. وهنا تتجلى قيمة العمل الذي يمنح العين متعتها الأولى، ثم يترك للعقل والذاكرة مهمة مواصلة القراءة.
تتخذ تجربة سلام جبار بعدًا إضافيًا من موقعه الأكاديمي أستاذًا في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، ومن اشتغاله بتدريس فلسفة الجمال؛ فالفنان الذي يزاول الممارسة التشكيلية ويشتبك مع الأسئلة النظرية للجمال يقف أمام مسؤولية مزدوجة: أن يختبر إمكانات الصورة بيده، وأن يفتح أمام طلبته مساحات التفكير في ماهيتها ووظيفتها وحدودها.
ولا ينبغي النظر إلى هذا الجمع بين الفن والتعليم بوصفه مجرد اجتماع لوظيفتين، بل باعتباره فرصة لتبادل التأثير بين المعرفة والممارسة. فالتجربة الفنية تمنح السؤال الفلسفي مادة حية، فيما تتيح المعرفة النظرية للفنان أن يعيد النظر في أدواته وعلاقته بالمتلقي وبالثقافة التي ينتمي إليها.
وفي الجامعة، لا تقتصر مهمة الأستاذ المبدع على نقل المعلومات أو شرح المدارس والاتجاهات؛ بل تتصل أيضًا بتكوين الحس النقدي، وتعليم الطالب كيف يرى، وكيف يلاحظ، وكيف يميز بين التمثيل المباشر والتعبير الرمزي، وكيف يبني موقفه من العمل الفني على المشاهدة والتحليل، لا على الانطباع العابر وحده.
إن قيمة الأستاذ الجامعي في الفنون تتجلى حين يصبح حضوره امتدادًا للمعرفة التي يقدمها، وحين يرى الطالب في تجربته مثالًا على أن الإبداع ليس موهبة معزولة عن التفكير، وأن الحرية الفنية لا تعني غياب الوعي، وأن التجديد الحقيقي يبدأ من معرفة عميقة بما نرغب في تجاوزه.
وفي هذا الإطار، تكتسب تجربة سلام جبار أهميتها بوصفها مساحة يتجاور فيها المرسم والدرس الأكاديمي، وتتقاطع فيها حساسية الفنان مع أسئلة الفيلسوف، ويصبح فيها الجمال موضوعًا للتأمل والممارسة في آن واحد.
العالم بوصفه مرآة… أثر السفر واتساع الرؤية
إن انفتاح الفنان على تجارب البلدان المختلفة، ومشاهداته في المتاحف والفضاءات الثقافية، يمكن أن يسهم في توسيع أفقه البصري، ويمنحه فرصة لمقارنة طرائق التعبير وتنوع الرؤى الجمالية. غير أن أثر السفر في الفن لا يقاس بعدد البلدان التي يزورها المبدع، بل بما يتركه الاحتكاك بالعوالم الأخرى في وعيه وطريقته في رؤية العالم.
فالمتحف ليس مكانًا لعرض الأعمال فحسب؛ إنه فضاء تتجاور فيه الأزمنة والثقافات والأساليب، وتتحول فيه المشاهدة إلى حوار مع تجارب إنسانية متعددة. وفيه يستطيع الفنان أن يعيد اكتشاف خصوصيته، لا من خلال الانغلاق على هويته، بل عبر وضعها في علاقة حية مع الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن حضور أعمال الفنان العراقي في فضاءات عرض خارجية، ومنها المتاحف التي يذكرها المتابعون ضمن مسيرته، يفتح بابًا للتأمل في العلاقة بين الفن المحلي والخطاب الجمالي العالمي، وفي قدرة التجربة العراقية على التعبير عن أسئلتها الخاصة بلغة بصرية تتجاوز حدود الجغرافيا.
إن العالمية الفنية لا تعني التخلي عن الجذور، كما أن الانتماء المحلي لا يفرض على الفنان أن يظل أسير صورة واحدة عن ذاته. فالتجربة الأكثر حيوية هي التي تستطيع أن تحتفظ بخصوصيتها الثقافية، بينما تدخل في حوار مع أسئلة الإنسان في أماكن أخرى.
والفنان الذي ينفتح على العالم لا يعود بالضرورة محمّلًا بتأثيرات جاهزة؛ فقد يعود بأسئلة جديدة عن اللون والتكوين والإنسان والذاكرة، ثم يعيد صوغها وفق حساسيته وتجربته وبيئته الثقافية.
وهكذا يصبح السفر معرفةً بصرية، وتغدو المشاهدة فعلًا نقديًا، وتتحول المقارنة إلى وسيلة لتعميق الهوية لا لمحوها.
الإنسان قبل الصورة… أخلاق الحضور ودفء العلاقة
ولأن الحديث عن المبدع لا يكتمل، في تقديري، بالحديث عن أعماله وحدها، فإنني أتوقف عند ما ألمسه في شخصية الأستاذ الدكتور سلام جبار من خلق رفيع ودفء إنساني؛ ذلك الحضور الذي يأتي دافئًا ويغادر دافئًا، ويترك لدى من يلتقيه أثرًا طيبًا يتجاوز حدود المجاملة العابرة.
إنها خصلة تستحق التقدير؛ لأن الثقافة ليست معلومات تتراكم في الذاكرة فحسب، ولا ألقابًا أكاديمية تُكتب أمام الأسماء، بل هي أيضًا طريقة في التعامل مع الآخرين، واحترام للاختلاف، وقدرة على جعل المعرفة قريبة من الإنسان بدل أن تتحول إلى حاجز بينه وبين الناس.
ولا يعني ذلك أن الأخلاق الشخصية بديل عن التقييم النقدي للمنجز الفني؛ فلكل منهما مجاله ومعاييره. غير أن اجتماع الحساسية الفنية والجدية الأكاديمية والدفء الإنساني يمنح شخصية المبدع بعدًا أكثر اكتمالًا، ويجعل حضوره في الوسط الثقافي قائمًا على ما يقدمه من معرفة وما يتركه من أثر طيب.
وفي زمن تتسارع فيه الأحكام، وتختلط فيه الشهرة أحيانًا بالقيمة، تظل العلاقة الإنسانية النبيلة عنصرًا مهمًا في بناء الوسط الثقافي؛ لأنها تمنح الحوار إمكان الاستمرار، وتفتح أمام الأجيال الجديدة نموذجًا يرى في الثقافة مسؤولية أخلاقية بقدر ما يراها ممارسة جمالية.
ومن هنا تأتي تحيتي إلى سلام جبار تحيةً للفنان والأستاذ والإنسان؛ لمن يجعل من المعرفة شأنًا يوميًا، ومن الفن مجالًا للتفكير، ومن التعامل الإنساني مساحة تحفظ للثقافة معناها النبيل.
خاتمة: الفن الذي لا ينتهي عند حدود الإطار
إن تجربة الفنان الأكاديمي الأستاذ الدكتور سلام جبار تتيح لنا أن نعيد طرح سؤال الجمال من زاوية تتجاوز الإعجاب بالشكل إلى مساءلة المعنى. فالصورة، حين تحمل وعيًا بتفاصيل الإنسان وعلاقته بالمكان والزمن والذاكرة، تستطيع أن تتجاوز لحظتها الأولى، وأن تظل قابلة للقراءة كلما تغيّر المتلقي أو تبدلت خبرته بالحياة.
وفي اللوحات التي نتأملها هنا، تبدو الحياة اليومية مدخلًا إلى أسئلة أكبر: البيت بوصفه ذاكرة مشتركة، والراديو بوصفه صوت العالم داخل المكان الخاص، والمحطة بوصفها فضاءً للانتظار والعبور، والطائر بوصفه احتمالًا رمزيًا تتعدد قراءاته. إنها عناصر مألوفة، لكن انتظامها داخل التكوين يمنحها إمكانات تأويلية تجعلها أكثر من مجرد تفاصيل مرئية.
ولعل هذه هي إحدى المهام الكبرى للفن: أن يعيد إلينا العالم الذي اعتدنا رؤيته، ولكن بعين تجعلنا نكتشف فيه ما لم نكن ننتبه إليه. أن يحرّك الساكن في ذاكرتنا، وأن يمنح الصمت لغة، وأن يفتح في المشهد البسيط بابًا إلى أسئلة الوجود.
سلام جبار، بما يمثله من حضور أكاديمي وفني، وبما تتيحه تجربته من منافذ للقراءة الجمالية والسيميولوجية، يستحق أن يُقرأ من خلال أعماله وأسئلتها، وأن يُناقش منجزه ضمن حوار نقدي جاد يضع الفن العراقي في فضاء البحث والتأويل والمقارنة.
فالفنان الذي يجعلنا نتوقف أمام لوحة كي نفكر، لا كي نكتفي بالنظر، إنما يمنح الصورة عمرًا يتجاوز زمن إنجازها، ويمنح المتلقي فرصةً لاكتشاف نفسه في مرآة الفن.
إلى الأستاذ الدكتور سلام جبار، الفنان والأكاديمي والإنسان الخلوق، خالص التحايا والتقدير؛ ولتظل تجربتكم مساحةً مفتوحةً للتأمل، ولتظل أعمالكم قادرةً على إثارة الأسئلة التي يحتاج إليها الفن كي يبقى حيًا، وتحتاج إليها الثقافة كي تظل جديرةً باسمها.