سباق الزمن بين الواقع والمتخيّل.. روائي يتعمد النسيان
محمود خيون
يبقى العمل الروائي مهمة شاقة وعنيدة لدى الكاتب الذي يسعى إلى تجسيد الأفكار التي تنسجم وموضوعة القص الذي يريد أن يقحم به قريحة القاريء المتخصص بمثل هذا النوع من الكتابة..ولقد عبر الكثير من الكتاب العرب والأجانب في كسب ثقة المتابع الجيد لنتاجهم الأدبي وخاصة في مجال الرواية الطويلة التي تتشعب أفكارها وتتخذ مسارات لاحداثها وتنقلات ابطالها الذين يراد منهم ان يكونوا هم معيار جودتها في البناء الفني والسردي لما يدور من أحداث تشد المتلقي وتبعد فيه إلى أقصى المديات..
وفي رواية( محاولة متعمدة للنسيان ينال الثاني ) يعود بنا الكاتب أمجد توفيق إلى الماضي في تداعيات مثيرة إذ تبزغ من جديد صورة وشخصية بطلها ينال الذي تحول إلى اكبر تاجر للسلاح بعد هروبه من العراق لظروف خارجة عن ارادته إلى أسبانيا وهناك التقى بصديق كان هو من مهد له الطريق لتجارة السلاح وكان يبرر ذلك النوع من العمل بأنه لم يصنع السلاح بل يصنع السلاح في دول تتشرف بأنها جاءت تعبيرا عن ارادة ناخبها بالطرق الديمقراطية وكل بضاعة هناك من يصنعها وهناك من يتاجر بها ويتسأل مع نفسه( لماذا نبريء الصانع ونتهم التاجر) ويضيف ان تجارة السلاح لا تتم ابدأ دون رعاية ومعرفة الأجهزة الأمنية في الدول التي تصنع السلاح...ثم يترك الكاتب أمجد توفيق المجال والتأمل لصديقه (عبد الله ابو فيصل ) الذي يرى بأن ينال وبعد مرور سنوات على انتحاره بقيت ظلاله حيه تأبى الموت كأنها ضحكة ساخرة يطلقها حليم مجنون بوجه العالم...ويشير بأن ينال لم يستطع الموت برغم انه سعى إليه بلا أسباب فتعدد الإجابات والتوقعات والهواجس والظنون لا تعني سوى افتقاد الحجة ذلك أنها لم تكن موجودة أصلا...
أمكانيات كبيرة
وهكذا استطاع أمجد توفيق وبأمكانياته الكبيرة في ترتيب وبناء الفكرة الرئيسية التي قامت على اركانها اسس العمل الروائي الذي تمكن من خلاله وفي سردية متلاحقة وأسلوب ساخر يميل الخاطره الشعرية وتدوين اهم الأحداث التي مرت وعاشها ابطاله والذين مازالوا يتنقلون بكل حرية بين مدن اسبانيا وفرنسا وجميعهم كانوا يدورون حول فكرة ان يكون ينال حيا ولم يمت في ذاكرة الجميع ويستحضرون شخصية ينال وهو يحدثهم بطريقة تخلو من أية رغبة في الكذب أو الادعاء أو تحريف وقائع واحداث كان يتحدث بها ينال وكأنه يؤدي طقسا دينيا وانه ليس نادما على شيء..ومما تقدم تعد رواية( محاولة متعمدة للنسيان ينال الثاني ) لامجد توفيق وابعادها الجمالية واسلوبها السلسل والشفاف الذي يميل إلى لغة الشعر والخاطرة من حيث البناء الفني والسردي واللغوي عملا رائدا يضاف إلى مسيرة الكاتب التي امتاز بها كروائي متمكن من ادواته وقدرته على تطويع اللغة ومفرداتها
لصياغة ما يريد تصويره من أحداث الرواية على الرغم من ان شخصية ينال الأول هي الطاغية على فصولها والمعبرة لاماني ورغبات ابطالها...ولعله كان يخاطب في الغيب شخصية ينال حينما يسأل( اتكون للحرية هذا الثمن الباهض؟ - نعم يمكنك يا صديقي الا تخاف أو تحزن أو تتحسب أو تطمع أو تحسد، يمكنك الا تكذب أو ترواغ أو تجامل أية سلطة، يمكنك أن تتجاهل المال والقصور والسيارات والطيارات والمزارع، يمكنك ان تتجاهل الجبارين والاشرار والطيبين وفاتنات الأرض ولذائذها، يمكنك أن لا تذرف دمعة أو تكتوي بحسرة، يمكنك فعل كل ذلك وأكثر. كل ما يلزمك أن تكون ميتا لا أكثر..فالموتى يا صاحبي يمتلكون قدرات جبارة، ولانك مازلت حيا، فأنك تفكر والتفكير عندما يصبح عتبة للوعي، فأنه يدخلك إلى مملكة التعاسة والشقاء )...
بهذه المناجات والتساؤلات يثير امجد توفيق مجددا الهواجس والتصورات لدى الجميع ويؤكد بأن محاولة متعمدة للنسيان ماهي إلا محاولة للهروب بعيدا إلى أقصى المديات حاملا على جراحه ما عاشه ابطال روايته وشخوصها من مكابدات كلفتهم الكثير من المتاعب .